تحضــير شامـل” يمـسّ الحجـر والبـشر
ما إن يهلّ هلال شهر شعبان في أزقة ولاية معسكر، حتى يتغيّر إيقاع الحياة تدريجياً، معلناً بداية “النفحات” الأولى لرمضان، ففي معسكر، لا يُقاس التحضير لرمضان بالرزنامة فحسب، بل برائحة “الكروية” الفواحة التي تملأ الأزقة، وبصوت “المهراز” الذي يدق في البيوت، وبحركية الأسواق التي لا تهدأ، فشعبان هنا في معسكر، هو شهر “التحضير الشامل” الذي يمسّ الحجر والبشر.
يأخذ المطبخ المعسكري الحصة الأكبر من الاهتمام؛ فالمرأة في هذه الولاية العريقة ترى في المطبخ “محراباً” للعبادة والخدمة في رمضان، لذا وجب أن يكون في أبهى حلة، حيث تبدأ النسوة بالتنظيف العميق، فتُفرغ الخزائن، ويُعاد طلاء الجدران، وتُجلى الأواني النحاسية القديمة وتشتري أواني جديدة.
المطبخ.. قلب الورشة الرمضانية
تقول “خالتي الزهرة”، وهي ربة بيت من حي القرابة الشعبي بوحنيفية، “رمضان عندنا يبدأ بشراء “القدرة والكسكاس” من الفخار الجديد، لابدّ أن تشمّ رائحة الفخار في أول يوم من الشوربة المعسكرية، مضيفة أن الأواني الجديدة ليست ترفاً، بل هي تفاؤل بقدوم الرزق والبركة مع الشهر الفضيل”. هذا التقليد المعسكري في تجديد الأواني ينعكس بوضوح على الأسواق التي تعجّ بالمشترين الباحثين عن “الطاجين” و«الزلايف” المزخرفة.
العابر في شوارع معسكر خلال النصف الثاني من شعبان، بعد ليلة الصيام في الخامس عشر من هذا الشهر المبارك الذي يسبق الشهر الفضيل، تستنشق رائحة فريدة هي خليط من “رأس الحانوت”، “القصبر”، ومختلف التوابل، الأمر الذي يعتبر طقس اجتماعي معقد، مقابل وفرة هذه المستلزمات الرئيسية الخاصة بالأطباق الرئيسية على غرار الحريرة، جاهزة، حيث تزدحم محلات التوابل بطوابير طويلة، إذ يفضل المواطنون شراء التوابل “حباً” لضمان جودتها.
تقول إحدى السيدات وهي تنتظر دورها عند “علي العطار”: “نحن لا نثق في التوابل الجاهزة، أشتري “الكروية” و«سكنجبير” و«الكبابة” حباً، آخذها للبيت، أنقيها من الشوائب، أغسلها، وأجففها تحت شمس شعبان الدافئة، ثم أعود للمطحنة، هكذا نضمن أن “الحريرة” ستكون لها همة وشان”، خاصة حريرة رمضان ذات الذوق الاستثنائي الذي لا يشبه طبق الحريرة نفسه باقي أيام السنة.
هذا الاهتمام بالتفاصيل هو ما يجعل “رأس الحانوت” المعسكري ذائع الصيت، فهو يتكوّن من خلطة سرية تتوارثها الأمهات، تمنح الأطباق نكهة الأصالة التي تذكر الأبناء بلمة الأجداد.
انطباعات من الشارع.. الأسواق لا تنام
في جولة بين أسواق الولاية، تلمس لهفة المواطنين. يقول “عمي أحمد”، متقاعد يقطن وسط المدينة: “في شعبان، الأسواق في معسكر تنبض بالحياة. نحن لا نشتري الغذاء فقط، نحن نشتري البهجة، ترى الناس يتسابقون على شراء “المرمز” و«الفريك” و« التسيشة” (القمح المطحون) الذي يُعد يدوياً، ورغم غلاء الأسعار أحياناً، إلا أن بركة رمضان تجعل الجميع يشتري ويتحضر”.
أما الشباب، فيرون في شعبان فرصة للمساعدة؛ حيث ينخرط الكثير منهم في حملات تنظيف المساجد وتزيينها بالأضواء والدهان، لتكون جاهزة لاستقبال المصلين في صلاة التراويح، حيث يشبه ذلك حالة من الاستنفار الجميل الذي يجمع بين الجانب المادي (تجهيز البيت) والجانب الروحي.
إلى جانب التوابل، تنشغل النسوة بتحضير “الدرّسة” و«الطماطم المصبرة يدوياً، يتمّ طحن الثوم مع الفلفل الأحمر الحار والمجفف وتخزينه في علب زجاجية، كما يتمّ تحضير “ديول” البوراك منزلياً، حيث تجتمع الجارات في “تويزة” مصغرة لصناعة أوراق الديول الرقيقة على صينيات مصنوعة خصيصا لإعداد الرقاق والديول، وسط ضحكات وحكايات تخفف عناء التحضير، وتبعدهن عن ضجيج الأيام المثقلة بالعصرنة والتكنولوجيا.
روحانية رمضان وقدسية الاستعداد
تعتبر هذه العادات في ولاية معسكر، من تجديد الأواني إلى طحن التوابل وتنظيف البيوت، من السنن الحميدة بين المعسكريين تقديراً لشهر رمضان العظيم، وتعكس رسالة حب واحترام لهذا الضيف العزيز، فمسألة قدسية الاستعداد لاستقباله لا تتعلق بالأكل وتزيين الموائد، بل بالتفاؤل والاستعداد الروحاني لرمضان الكريم، ففي نهاية المطاف، يبقى شعبان في معسكر هو “الجسر” الذي يعبر به الناس من ضجيج الحياة العادية إلى سكينة رمضان، محملين بعبق التوابل وأمل اللقاء على مائدة واحدة تجمع القلوب قبل الأجساد.






