فضـاء للانتمــاء.. النشر في “ أم الجرائـــد“
فضـاء للانتمــاء.. وبيت مهني وثقافي تشكّل فيـه وعيـي الصحفـي
النشـــر في “ أم الجرائـــد“ امتياز مهني ودليل ثقة ومؤشرا على الجدية والرصانة
لم تكن جريدة الشعب بالنسبة إليّ مجرّد منبر إعلامي أنشر فيه مقالاتي، بل كانت فضاء للانتماء، وبيتا مهنيا وثقافيا تشكّل فيه وعيي الصحفي، وتبلورت عبره تجربتي النقدية، وأنا أعمل مراسلا لها من سورية، في الفترة بين 1982-1986، في زمن كانت فيه الكلمة مسؤولة، والنشر شرفا، والظهور في صفحاتها إنجازا يُحسب.
من دمشق، ومن مدن الثقافة والفكر في المشرق، كتبت لجريدة «الشعب» عشرات المقالات النقدية، وعرضت عبر صفحاتها العديد من الكتب والدراسات والدواوين الشعرية والروايات والمسرحيات، مساهما في مدّ جسور معرفية بين القارئ الجزائري والحراك الثقافي العربي، ومتابعا للتحولات الجمالية والفكرية في النصوص والإبداعات الجديدة، كما قمت بغطّية أنشطة ثقافية وفكرية متعددة، في مناسبات كثيرة، كانت تشهد على حيوية المشهد الثقافي العربي، وعلى تعطّش حقيقي للحوار والتفاعل.
وكان من أبرز ما أعتز به في تلك المرحلة، إجرائي للحوارات مع كتّاب ونقاد ومثقفين، ومع مفكرين مسيحيين وسينمائيين ومسرحيين، لم تكن حوارات عابرة أو مناسباتية، بل لقاءات فكرية عميقة، وثّقت مواقفهم من ثورة التحرير الجزائرية، وآراءهم في الثقافة الجزائرية وتجلياتها، وفي العلامات الثقافية المشتركة بين المشرق والمغرب العربي، بما يؤكد أن الجزائر لم تكن غائبة عن الوعي العربي، بل حاضرة بقوة رمزها وتاريخها وثقافتها.
في ذلك الزمن، قبل التعددية الإعلامية، كانت جريدة «الشعب» تحتل موقعا مركزيا في الخريطة الصحفية الوطنية، إلى جانب مجلة المجاهد، وجريدة «النصر» في الشرق القسنطيني، وجريدة «الجمهورية» في الغرب الوهراني، وكان النشر في جريدة «الشعب» يُعدّ امتيازا مهنيا، ودليل ثقة، ومؤشرا على الجدية والرصانة، ولم يكن الوصول إلى صفحاتها متاحا للجميع، بل ثمرة جهد، وانضباط، واحترام لقيمة الكلمة.إلى جانب التجربة المهنية، تبقى العلاقات الإنسانية التي نسجتها مع صحفيي جريدة الشعب من أجمل ما أحمله في الذاكرة؛ علاقات أخوّة، واحترام، وتقدير متبادل، تشكّلت في زمن لم تكن فيه الصحافة مهنة فقط، بل رسالة، والتزاما وطنيا وأخلاقيا، رحم الله من افتقدناهم من زملائنا، وأسكنهم فسيح جناته، ودامت الصحة وطول العمر وموفور التوفيق لأصدقائنا الذين لا يزالون على قيد الحياة، يحملون الشعلة نفسها بإخلاص ونبل.
وإذ تحتفل جريدة الشعب اليوم بصدور عددها رقم 20.000، فإنها لا تحتفي بعددٍ فقط، بل بتاريخٍ من العطاء، ومن الحضور الإعلامي المسؤول، ومن الإسهام في تشكيل الوعي الوطني والثقافي، هي مناسبة لاستحضار مسارٍ مهني مشرّف، ولتجديد العهد مع رسالة الصحافة النبيلة.
تمنياتي الصادقة لجريدة «الشعب».. لطاقمها الإعلامي، لإدارتها، ولمستخدميها، بمزيد من التألق والرقي والنجاح، وبالقدرة الدائمة على أداء مهامهم الإعلامية النبيلة، في الترويج لفكر أصيل، ووعي مستنير، وثقافة جامعة، تظل وفية لقيم الجزائر، ومنفتحة على آفاقها العربية والإنسانية.






