يحتضن المتحف العمومي الوطني باردو، من 22 إلى 28 فيفري الجاري، مهرجان الجزائر الدولي لفن الإسقاط الضوئي (المابينغ) Mapping Festival Algiers، وهو حدث فني غامر مخصّص للفنون الرقمية والتقنيات البصرية المعاصرة، يهدف إلى إعادة قراءة العمارة التاريخية والتراث المادي للمتحف من خلال أدوات مبتكرة في الإبداع الرقمي.
يأتي المهرجان ليشكّل تجربة ثقافية غير مسبوقة في المشهد الفني الجزائري، حيث يعتمد على توظيف التكنولوجيات الغامرة والفنون البصرية من أجل تقديم منظور جديد للتراث الوطني، لا باعتباره مادة جامدة للعرض، بل كفضاء حي قابل لإعادة التأويل والتفاعل مع الحاضر. وبحسب المنظمين، تتمثل الغاية الأساسية للتظاهرة في إقامة جسر رمزي وجمالي بين التاريخ القديم، لاسيما ما يتعلق بعصور ما قبل التاريخ والإثنوغرافيا المحفوظة بالمتحف، وبين أشكال التعبير المعاصرة المنبثقة من العالم الرقمي.
وترتكز فلسفة المهرجان على فكرة المصالحة بين الذاكرة والتكنولوجيا، بين الماضي والمستقبل في حوار فني مفتوح داخل فضاء واحد، حيث تتحوّل الجدران المعمارية إلى شاشات عملاقة للضوء والصورة، وتصبح القاعات التاريخية مسارح بصرية تعكس سرديات جديدة للتراث.
وفي هذا السياق، يهدف المهرجان إلى تحويل المتحف العمومي الوطني باردو إلى مختبر مفتوح للإبداع الفني، من خلال إعادة تأويل معالمه المعمارية وتاريخه الثقافي عبر فن “الرسم بالضوء”، المعروف باسم Video Mapping ويقوم هذا الفن على إسقاط أعمال فنية متحركة ثلاثية الأبعاد على الواجهات والكتل المعمارية، بما يسمح بإعادة تشكيل ملامحها بصريا وإضفاء حياة جديدة عليها بواسطة المؤثرات الضوئية والحركية.
ولا يقتصر البعد الفني للتظاهرة على الجانب الاستعراضي أو التقني فقط، بل يتجاوز ذلك ليحمل بعدا فكريا وثقافيا، إذ يطمح Mapping Festival Algiers إلى فتح صفحة جديدة في المشهد الثقافي الجزائري، من خلال إعادة ابتكار العلاقة بين الجمهور، المعالم التاريخية والفنون الرقمية. فالمتلقي لم يعد مجرد زائر بل يصبح جزءا من التجربة الغامرة يتفاعل مع الصورة والصوت والفضاء في آن واحد.
كما يشكّل المهرجان منصة للقاء الفنانين الرقميين، مصممي الصورة، المبدعين في الوسائط المتعدّدة ومطوري المحتوى البصري، بما يعزّز تبادل الخبرات ويفتح آفاقا جديدة للابتكار التكنولوجي في مجال الصورة والفنون البصرية المعاصرة، وهو ما يكرس دور المهرجان كفضاء للتجريب الفني والتفكير في مستقبل الفنون داخل الفضاءات التراثية.
وتندرج هذه المبادرة ضمن ديناميكية أوسع تهدف إلى تحديث التجربة المتحفية في الجزائر، على غرار معارض حديثة شهدتها المؤسسات الثقافية خلال السنوات الأخيرة، من بينها المعرض المخصص للفن الصخري خلال صيف 2025، والذي اعتمد بدوره على تقنيات رقمية تفاعلية، ما يعكس توجها متناميا نحو إدماج الوسائط الحديثة في عرض المحتوى التراثي.
وتنظم هذه التظاهرة تحت رعاية وزارة الثقافة والفنون، وتحت رعاية وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة، في دلالة واضحة على تنامي الاهتمام بالفنون الرقمية وبالاستعمالات الثقافية للتكنولوجيا في الجزائر.
وينظر إلى مهرجان الجزائر الدولي لفن الإسقاط الضوئي، باعتباره خطوة نوعية نحو جعل المتاحف فضاءات حية تتفاعل مع تحولات العصر، لا مجرد أماكن للحفظ والعرض بل منصات للإبداع، الحوار والتجريب، تواكب التحولات الرقمية وتعيد ربط الأجيال الجديدة بتراثها بلغة بصرية معاصر.






