على أطراف مدينة نابلس، في مخيم بلاطة، حيث تختلط جدران الألم بالحنين إلى العودة، كانت زهديّة، خنساء فلسطين، تحمل قلبها المثقل بالحب والصبر لأبنائها. كل زاوية في المخيم كانت شاهدة على صمودها، على دموعها التي لم تذرف أمام أحد، وعلى كلماتها التي كانت تزرع في نفوس أبنائها حب الوطن، الكرامة، والثبات.
كانت رحلة زهديّة إلى القاهرة، 9 ساعات من مخيم بلاطة إلى حيث يقيم ابنها خالد خديش بعد تحرره في صفقة تبادل الأسرى في بداية عام 2025، حلم مشروع لكل أم صابرة. رحلة مليئة بالألم، بالأمل، بالحنين الذي يختلط بالخوف من منع الاحتلال. كانت على موعد مع لحظة عناق طال انتظارها، لحظة لم يكتب لها أن تتحقق على الأرض، فكتبت لها الحياة الرحيل قبل أن تعلو الزغاريد في المخيم، قبل أن يكتمل اللقاء الذي انتظرته سنوات طويلة.
ورحلت زهديّة، روحها مرفوعة بالعزة والكرامة، لتلتقي هناك، في السماء، بـ المزيونة وصبحية، رفيقات الألم والصبر، أمهات الأحرار والشرفاء، اللواتي زرعن في أبنائهن حب الوطن، الثبات، والشجاعة. في جنات النعيم، استقبلن زهديّة بفرح أبدي، ليكتمل اللقاء الرمزي الذي حرمن منه على الأرض. هناك، بين ورود النعيم وزغاريد السماء، وجدت زهديّة ما لم يمنحها الاحتلال: دفء اللقاء، ابتسامة الصبر، وعناق أبدي مع رفيقات الدرب اللواتي حملن معها ثقل الألم وصداه عبر أجيال فلسطين.
الاحتلال يعرف أن هؤلاء الأمهات زرعن في أبنائهن الكرامة والشجاعة والثبات، وأن حليبهن لم يكن مجرد غذاء، بل رسالة حياة وحرية. لكنه أصرّ على معاقبتهن، ورفض أن يمنحهن حقهنّ البسيط: لمسة حنان، دمعة فرح، لحظة عناق. ولا مؤسسات حقوقية، ولا أي منظمة دولية، استطاعت أن تمنح هؤلاء الأمهات حقهنّ، فظل وجعهن صامتًا لكنه حاضر في كل بيت فلسطيني، في كل قلب فلسطيني، وفي كل نفس طفل يكبر على صبر أمه.
من سرق أعمار هؤلاء الأمهات؟
من الذي وقف على بوابات السجون ليسرق سنوات العمر واحدة تلو الأخرى؟
من الذي انتزع الأمومة من معناها الإنساني، وحوّلها إلى انتظارٍ طويل خلف الأسلاك والبوابات الحديدية؟
من الذي خطف فلذات الأكباد من أحضان أمهاتهم، وترك الأذرع فارغة إلا من الدعاء والدموع المكبوتة؟
هذه ليست مأساة فردية، بل جريمة بحق الأمومة نفسها.
جريمة يُمارسها الاحتلال بوعي كامل، حين يحرم الأم من حقها الطبيعي في احتضان ابنها، وحين يحوّل سنوات العمر إلى أرقام انتظار على بوابات السجون، وإلى تصاريح مرفوضة، وإلى قلوب تتآكل بصمت.
أين العالم من هذه الجريمة؟
وأين الضمير الإنساني من أمهات يُعاقبن فقط لأنهن أنجبن أحرارًا؟
كيف لا يرى العالم المنافق أن سلب الأم من ابنها، وسلب الابن من حضن أمه، جريمة ضد الإنسانية وضد الأمومة، تستوجب المحاسبة لا الصمت، والإدانة لا التواطؤ؟
هناك أسرى فقدوا أمهاتهم داخل السجون الصهيونية، ومن بينهم:
– الأسير كريم يونس
– الأسير ماهر يونس
– الأسير نائل البرغوثي
– الأسير زاهر الجبارين
– الأسير حمدي قرعان
– الأسير عبد الله البرغوثي
– الأسير أحمد سعدات
– الأسير مروان البرغوثي
– الأسير فؤاد الشوبكي
– الأسير وليد دقّة
– الأسير عبد العظيم عبد الحق حسن
– الأسير عنان الحشّاش
– الأسير رأفت عديلة
– الأسير فخري البرغوثي
– الأسير ناصر أبو سرور
إلى متى سيستمر هذا الوجع؟ وإلى متى سيبقى الاحتلال يمارس جرائمه بحق الفلسطينيين؟ وأين العالم من هذه الجرائم؟ أين تلك العقوبات التي يفترض أن تحمي الأبرياء؟ هؤلاء الأبناء يحملون دمعة أمهاتهم الغائبة، ويحملون إرث الصبر والصمود الذي زرعته أمهاتهم في قلوبهم، ليظل الوطن حيًا رغم الألم والقهر، وليستمر صدى الصبر الفلسطيني عبر الأجيال، يروي التاريخ أكثر من أي وثيقة أو بيان.
زهديّة، في رحيلها، تمثل كل أم فلسطينية رحلت قبل أن ترى فرحة أبنائها، قبل أن تعلو زغاريدها في مخيم بلاطة، قبل أن يُكتب لها لقاء طال انتظاره. وكل رفيقاتها، المزيونة وصبحية وأمهات الأحرار والشرفاء، يحملن معها رسالة صمود وعزة، لتبقى فلسطين حيّة في كل دمعة وصبر صامت، وفي كل صوت يقاوم الاحتلال ويعلن أن الكرامة لا تُقهر.




