يسابق رجال الحماية المدنية الجزائرية دومًا الزمن من أجل إنقاذ الأنفس البشرية المهدّدة بخطر الموت على الطرقات، وفي المنازل، والمصانع، والمؤسسات والمرافق العمومية والخاصة، وأثناء اندلاع حرائق الغابات في فصل الصيف، التي أبانت عن كفاءة عالية لأفراد هذا الجهاز الحمائي والوقائي من حيث سرعة التدخل، والتعامل الاحترافي والآني خلال إطفاء ألسنة اللّهب المندلعة.
المخاطر الجسيمة التي تعترض المهام النبيلة في الميدان، لم تثن من عزم عناصر الحماية المدنية عن القيام بأدوارهم الأساسية على أكمل وجهٍ، وأداء واجبهم المقدّس بشجاعة وإقدام لإنقاذ الأرواح في أحلك الظروف الطبيعية والمناخية والوبائية المعقدة، تجسيدًا للآية الكريمة (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)، غير آبهين بحياتهم من أجل أن يعيش الجزائري آمنًا وسليمًا في محيطه الإجتماعي والمهني.
وتُشير الإحصائيات إلى مساهمة الحماية المدنية الجزائرية بشكلٍ كبيرٍ في خفض عدد ضحايا الحوادث بمختلفُ أنواعها، خاصة في شهر رمضان الفضيل، الذي يسجل أعلى حالات التدخل، بسبب الحركية التجارية والإجتماعية الواسعة في كامل أيامه.
ولا يقتصر جهد الحماية المدنية المُضنِي على الدّاخل الوطني، وإنّما قدّمت صورًا مُلهمة ومشرّفة جدًا في تدخلاتها بالخارج أثناء وقوع كوارث طبيعية بعدد من بلدان العالم، بوأتها مكانة متقدمة في تصنيفات الجامعات والمراكز الدولية المتخصصة في مسائل الأمن والوقاية.
وقد شاركت فرق الإنقاذ الجزائرية منذ استقلال الجمهورية، في عمليات إغاثة شديدة الخطورة بدول نكبتها الزلازل والفيضانات، ولم تدّخر أي جهدٍ في سبيل التقليل من آثارها وأضرارها، ونجحت باقتدار في انتشال كثير من الأنفس تحت الركام والأنقاض على قيد الحياة، كان آخرها التدخل النوعي لنجدة ضحايا الزلزال المدمر الذي ضرب دولتي تركيا وسوريا نهاية سنة 2023، وهو التدخل الذي صنّفها في المرتبة الأولى بعمليات البحث عن ناجين وإزالة الركام والحطام، بإمكانات مادية وبشرية متطورة وحديثة مسايرة لحجم الضرر الواقع في الميدان.
نجاح الحماية المدنية الجزائرية في المحطات التي خاضت غمارها داخليًا وخارجيًا، بحسب مراقبين، رفع من رغبة إشراكها أمميا في جهود الإغاثة أثناء وقوع الكوارث بدول العالم، نظرا إلى كفاءتها العالية وتدخلاتها السريعة، خاصة ما تعلق بحدوث الزلازل، ما يجعل منها بالفعل مُؤسّسة وطنية مقتدرة وعريقة، مشرّفة لصورة الجزائر في المحافل الدولية، ومحلّ فخر واعتزاز لكل الجزائريين على مرّ الأزمنة.
وعلاوة على ذلك، تُساهم الحماية المدنية الجزائرية في إرساء ثقافة وقائية جوارية، ورفع وعي المجتمع الجزائري حول الظواهر الخطيرة المتفشية، سواءً طبيعية كانت أو بشرية، وفق برامج توعوية وتحسيسية مدروسة يشرف عليها ضباط في المديرية العامة، مع تنظيم حملات ومعارض ميدانية متواصلة عبر كل ولايات الوطن الكبير، وتتواجد بشكل مستمر على وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي للتنبيه في حالات الطوارئ الجوية، مع اضطلاعها بإجراء دورات تكوينية في الإسعافات الأولية لفائدة المدنيين وأعوان الهيئات العمومية والخاصة.
وأوْلت الدولة لهذا الجهاز الحيوي عناية قصوى، من خلال دعمه المتواصل بالعتاد العصري، وتوفير الإمكانات والوسائل التكنولوجية الحديثة المرتبطة بجهود الإغاثة، بغية رفع جاهزيته لمجابهة الحوادث والظواهر المناخية، والتقليل من أثرها المباشر على المواطن وممتلكاته، وكذا تحييد خطرها على المؤسسات العمومية والخاصة لاسيما الاقتصادية والطاقوية.
وبخصوص مجال التّكوين، تعتمد الحماية المدنية الجزائرية على مقاربة تدريبية عالية المستوى لأعوانها وضباطها، باستخدام قواعد وأفكار إسعافية حداثية لحماية الأنفس، ووسائل تقنية مبتكرة جد متطورة، يجري اختبارها دوريًا في مناورات افتراضية محاكية لوقوع كوارث قد تهدد أمن وسلامة الجزائر ومواطنيها، ناهيك عن قيامها بإعداد بحوث ودراسات بناءً على الوقائع الميدانية، وكل هذا أهّلها لتكون من ضمن الأجهزة المخوّلة بتكوين مؤسسات الدفاع المدني الأجنبية في مسائل الحماية والإغاثة.
وعلى هذا الأساس، احتلّت الحماية المدنية الجزائرية المرتبة العاشرة عالميًا ضمن أفضل هيئات الدفاع المدني، بحسب دراسة أجرتها مؤخرًا جامعة هارفارد، تحت إشراف الخبيرين الأمريكيين جيانا طومسون وألفريد ماكسيم، ونشرها موقع صحيفة “بوسب Posp” المتخصصة في التحليلات السياسية والأمنية.
وجاء هذا التصنيف بناءً على احترافية الحماية المدنية الجزائرية العالية، وقدرتها على التعامل السريع مع الكوارث الكبرى، حيث أكدت الصحيفة أن الدراسة اعتمدت على معايير دقيقة تشمل المساهمة في عمليات الإغاثة الدولية خارج الحدود، وعدد التدخلات السنوية ونسبة تعداد الأفراد، إلى جانب عدد السكان والخبرة في العمليات الكبرى والحيز الجغرافي للبلاد.
وأشارت جامعة هارفارد إلى أن الحماية المدنية الجزائرية كانت الهيئة الإفريقية الوحيدة التي نجحت في حجز مكان لها ضمن قائمة الثلاثين الأفضل بالعالم.





