في الوقت الذي تُسابق فيه العائلات الزمن لترتيب مائدة الإفطار وتجتمع القلوب بانتظار صوت الأذان، ثمة رجال اختاروا أن تكون صافرات الإنذار هي موسيقاهم الرمضانية، وميدان التدخل هو مائدتهم الأولى، رافعين درجة التأهب إلى أقصاها، محولين شهر الصيام إلى ملحمة من الجاهزية والإنسانية.
لم تترك مديرية الحماية المدنية بمعسكر مجالاً للصدفة في أجندتها الرمضانية؛ حيث سطّرت خارطة طريق تجمع بين الصرامة العملياتية والنشاط التوعوي، حيث باشرت المديرية تنفيذ برنامج مكثف يشمل مناورات ميدانية دورية، لضمان أعلى مستويات الكفاءة البدنية للأعوان، ورفع الجاهزية لصقل مهارات التعامل مع الحالات الطارئة المرتبطة بالنمط المعيشي الرمضاني، من أجل تقليص زمن التدخل في ظل الازدحام المروري الذي يسبق الإفطار.
ساعة الذّروة..مواجهة طيش السّرعة قبل الأذان
تتحوّل الدقائق التي تسبق أذان المغرب إلى ما يشبه المنطقة الحمراء بالنسبة لفرق التدخل، وفي هذا السياق، كشف الملازم الأول عبد القادر رحماني، المكلف بالإعلام لدى المديرية، عن تسجيل نشاط مكثف للوحدات في هذا التوقيت الحرج، مرجعا السبب الرئيسي للتدخلات إلى حوادث المرور الناتجة عن السرعة المفرطة والإرهاق.
ويحاول البعض اللحاق بموائد الإفطار على حساب سلامتهم وسلامة غيرهم، مضيفا بنبرة تملؤها المسؤولية: “في الوقت الذي تلتف فيه العائلات حول مائدة الإفطار، غالباً ما يتواجد أعواننا في قلب الميدان، ملبين نداء الواجب مع صوت الأذان..سلامة المواطن عندنا تسبق كل اعتبار شخصي”.
إفطار على وقع الواجب..عائلة تحت سقف الثّكنة
خلف البدلات الرسمية والوجوه الصارمة، تنبض روح إنسانية عالية؛ وكي لا يشعر المرابطون في نقاط التدخل بغربة البعد عن ذويهم، حرصت الوحدات العملياتية المنتشرة عبر إقليم الولاية على خلق أجواء عائلية بامتياز، حيث تُنظّم مآدب إفطار جماعية لفرق المناوبة، لا لسد الرمق ـ بل لتعزيز قيم الانسجام والوحدة داخل السلك ـ في لحظات قصيرة يتقاسم فيها الأعوان التمر والماء قبل أن تعود محركات سيارات الاسعاف للدوران مجدداً، مؤكّدين أن “حراس الصائمين” في معسكر سيبقون العين التي لا تنام حتى ينعم الجميع برمضان آمن.
إفطار على وقع اللاّسلكي
داخل ساحة التدخل، يقف العون “خالد.م”، شاب في الثلاثينيات من عمره، يضع يده على مقبض سيارة الإسعاف وعينه على الساعة، يقول بنبرة هادئة: “تعوّدنا أن يكون تمر الإفطار في جيوبنا، والماء في قوارير صغيرة داخل الشاحنة..أحياناً يرفع الأذان ونحن في منتصف الطريق لإسعاف ضحية حادث مرور، فيكون إفطارنا الحقيقي هو رؤية المصاب يستعيد وعيه”.
داخل الوحدة الرئيسية للحماية المدنية بمعسكر، كانت حركة دؤوبة؛ أعوان يجهزون أدوات الإنقاذ، وآخرون يلقون نظرة أخيرة على محركات الإطفاء، هنا، الصيام ليس مجرد امتناع عن الأكل، بل هو اختبار صبر حققي، يضاعفه ثقل البدلة الرسمية وحرارة الميدان.
قيادة العمليات بروح إنسانية
في مكتب التنسيق، لا يتوقف الملازم الأول عبد القادر رحماني عن متابعة البلاغات، يوضّح لنا بلمسة إنسانية: “نحن هنا لسنا مجرد موظفين، نحن عائلة، ننظّم إفطاراً جماعياً داخل الوحدة لنكسر حدة الغربة والبعد عن أهالينا، لكن وبمجرد أن يرن الهاتف، تختفي المائدة وتصبح الأولوية لإنقاذ روح تنتظرنا”.
ويضيف رحماني وهو يشير إلى خارطة الولاية: “أصعب اللحظات هي تلك التي تسبق الإفطار بـ 15 دقيقة، حيث يتسبب طيش السرعة في حوادث مؤلمة”، موجها رسالة للمواطن: “نحن نفطر بعيداً عن أهالينا لنحميك، فلا تجعل تهوّرك يحوّل إفطار عائلتك إلى مأتم”.





