سجّلت عدة محميات رعوية نجاحا لافتا في استرجاع الغطاء النباتي، خاصة نبات الحلفاء والشيح وبعض الأشجار العلفية، وذلك في عدد من الولايات السهبية على غرار النعامة والبيض والجلفة والمسيلة والأغواط، حيث أُعيد فتح بعضها وتأجيرها للموالين ضمن تنظيم محكم يراعي القدرة الاستيعابية للمراعي.
تعدّ المحميات الرعوية من أهم الوسائل الفعّالة لحماية وصيانة المراعي، فهي نظام عُرف منذ القدم وأثبتت الحماية نجاعتها في إعادة الأراضي المتدهورة إلى إنتاجها الطبيعي، وقد أُوكلت مهمة إنشاء هذه المحميات ومتابعتها إلى مصالح المحافظة السامية لتطوير السهوب، التي تعمل على استرجاع التوازن البيئي بالمناطق السهبية وضمان استدامة مواردها الطبيعية.
وتؤكّد تجربة المحميات الرعوية أن الحماية المؤقتة إذا ما رافقتها إدارة علمية رشيدة، قادرة على إحياء الأراضي المتدهورة وإعادة الحياة إلى الفضاءات السهبية، بما يخدم البيئة والاقتصاد المحلي على حد سواء.
وتختلف مساحة المحمية المراد حمايتها وتطويرها حسب الإمكانات المتوفرة، غير أنه يُوصى عادة بألا تتجاوز 4000 هكتار، أي ما يعادل 40 كيلومترا مربعا، وذلك لتسهيل إدارتها ومراقبتها وتطبيق التقنيات الملائمة لإعادة تأهيلها، فحسن التسيير يعد عاملا أساسيا في نجاح عملية الاسترجاع، خاصة في المناطق التي عانت لسنوات من الرعي الجائر والتصحر وتدهور الغطاء النباتي.
وتعتمد عملية تنمية المراعي داخل المحميات على جملة من الإجراءات التقنية المدروسة، من بينها استزراع المناطق المتدهورة، واستنبات البذور أو غرس الشتول الملائمة للوسط البيئي، مع الحرص على اختيار أصناف محلية أثبتت قدرتها على التأقلم مع الظروف المناخية السائدة.
كما يُفضّل أن تكون هذه النباتات ذات إنتاجية علفية عالية، مقاومة للملوحة، ومن النوع المعمّر لضمان استدامة الغطاء النباتي. ويُنصح بنثر البذور مع بداية موسم الأمطار حتى تستفيد من الرطوبة الطبيعية، مما يعزز فرص الإنبات والنمو السليم.
غير أن نجاح المحميات الرعوية يبقى رهينا بالحماية الصارمة من الرعي، إذ ينبغي منع دخول القطعان لمدة لا تقل عن سنتين إلى ثلاث سنوات، حتى تتمكن الحشائش من استكمال دورتها النباتية، وتستطيع الشجيرات والأشجار العلفية تكوين جذورها وتثبيت التربة.
وبعد انتهاء فترة الحجز، تجرى تقييمات دقيقة للإنتاجية العلفية قصد تحديد عدد الوحدات الحيوانية المسموح لها بالرعي، والفترة الزمنية المناسبة لذلك، وفق أساليب علمية مثل الرعي المؤجل أو الرعي الدوري أو نظام الراحة الدورية، بما يضمن الحفاظ على التوازن بين الإنتاج النباتي والحيواني.
وتهدف إقامة المحميات الرعوية إلى تحقيق جملة من الأهداف البيئية والاقتصادية، في مقدمتها تنمية الغطاء النباتي الطبيعي، وإعادة التوازن البيئي، وزيادة الحمولة الرعوية، فضلا عن حماية التربة من الانجراف الهوائي والمائي، كما تساهم هذه المحميات في تنمية الموارد المائية، وتحسين الإنتاج الحيواني، ودعم الأمن الغذائي، إضافة إلى حماية الحيوانات البرية وتهيئة الظروف الملائمة لتكاثرها.
وتشمل أساليب تنمية المحميات الحماية بالتسييج لمنع التعديات، إلى جانب الغراسة والتشجير بالأصناف العلفية الملائمة مثل شجيرات القطف والصبار، بهدف رفع الطاقة الرعوية وتكوين احتياطي علفي استراتيجي، كما يعتمد على تنمية الموارد المائية من خلال حفر الآبار وتوزيعها بطريقة مدروسة لضمان توزيع متوازن للقطعان مستقبلا، وتفادي الضغط على منطقة دون أخرى.






