تحوّلت ليالي رمضان في العاصمة إلى فضاء ثقافي نابض، حيث يلتقي البعد الروحي بالوجدان الفني، في مشهد يعكس خصوصية الذائقة الجزائرية. فبعد صلاة التراويح، يجد عشّاق الطرب الأصيل وجهتهم نحو الفضاءات الثقافية، في برنامج سهرات أعدّته العديد من الهيئات الثقافية، على غرار مؤسسة فنون وثقافة لولاية الجزائر، برؤية تراهن على تثمين الموروث الموسيقي الشعبي والأندلسي. وبهذا الخيار، تؤكّد المؤسسة أن رمضان فرصة لحفظ الذاكرة الفنية وتجديد الصلة بين الجمهور وتراثه.
منذ الليالي الأولى لانطلاق برنامج أنشطتها في 21 فيفري الجاري، بدا واضحا أن الرهان على الجمع بين الشعبي والأندلسي لم يكن خيارا عابرا، بل رؤية تراهن على الذائقة الجزائرية في تنوعها ووفائها لتراثها. في ملتقى الفنانين الحاج امحمد العنقى، تعاقبت الأصوات في الطابع الشعبي، واستهلّت السهرات بحضور الفنان شاعو عبد القادر، لتتواصل مع زرابيب نور الدين، فيصل هدروق، بن مسعود رضوان وقلّال لوناس، في أمسيات أعادت للقصيدة الشعبية وهجها، وللأغنية التراثية دفئها المعهود. وإلى غاية 26 فيفري، كانت هذه الأسماء وغيرها قد رسّخت إقبالا لافتا، وأكدت أن الشعبي ما يزال قادرا على جمع الأجيال حول الكلمة الموزونة والنغمة الأصيلة.
وفي الضفة الأخرى من المشهد، احتضن «ملتقى الفنانين نغمة والتاي» سهرات أندلسية انطلقت في 24 فيفري، بمشاركة رمضان نوفل، بوناب حمزة، أحمد راي غريوج، بلمسلوني سارة وطارق جودي، حيث تماهت المقامات الهادئة مع روح الشهر، وتسللت الموشحات إلى القلوب في أجواء يغلب عليها الصفاء والإنصات. ومع توالي الأمسيات، بدا واضحا أن هذا اللون الموسيقي يجد في ليالي رمضان فسحته المثلى، لما يحمله من عمق فني وقيمة حضارية.
ولا تقتصر البرمجة على هذين الملتقيين فحسب، إذ أطلقت المؤسسة أيضا الطبعة العشرين من تظاهرة «أندلسيات الجزائر» تحت شعار «ليالي عاصمية بروح أندلسية»، الممتدة من 25 فيفري إلى 15 مارس، بقاعة «سينما الساحل» بالشراقة، ابتداء من الساعة العاشرة والنصف ليلا. وتندرج هذه المبادرة ضمن جهود صون الموروث الموسيقي الأندلسي وتعزيز حضوره في المشهد الفني، بمشاركة 11 جمعية، تتناوب على إحياء سهرات تحتفي بأصالة النوبة وتنوع مدارسها، في أجواء تمزج بين روحانية الشهر، وعبق المقامات التقليدية، بما يعزّز استمرارية هذا الفن في الفضاء الثقافي للعاصمة.
غير أن نجاح الأسبوع الأول لا يختزل الحكاية، فالبرنامج ما يزال متواصلا إلى غاية 17 مارس المقبل، بوتيرة يومية تنطلق على الساعة العاشرة والنصف ليلا. يستمر «ملتقى الحاج امحمد العنقى» في استقبال أسماء جديدة في الشعبي، فيما يواصل «ملتقى نغمة والتاي» تقديم أمسياته الأندلسية المتنوعة إلى 16 مارس، ما يمنح الجمهور فسحة للاختيار بين لونين يجتمعان في الأصالة ويختلفان في الإيقاع.
بهذا المعنى، لا تُعدّ هذه السهرات مجرد نشاط عابر في رزنامة رمضان، بل جزءا من طقوسه الليلية في العاصمة. إنها تجربة تُعيد للفضاء الثقافي مكانته كفضاء لقاء، وتؤكد أن الفن، حين يُحسن تنظيمه ويُقرَّب من الناس، يصبح شريكا في صناعة أجواء رمضان، وذاكرة تتجدّد كل مساء على إيقاع الشعبي ونفحات الأندلس.







