حين يتحوّل المرض إلى عقوبة إضافية، وتصبح الزنزانة بيئة خصبة لانهيار الجسد والروح، فإننا لا نكون أمام حالة فردية عابرة، بل أمام مشهدٍ إنسانيّ فادح يختبر ضمير العالم. هكذا تبدو قصة الأسيرة الفلسطينية فداء عساف (49 عامًا) من مدينة قلقيلية، التي ينهش سرطان الدم جسدها بصمتٍ ثقيل، فيما العلاج مؤجَّل، والرعاية الطبية غائبة، والوقت يمضي على إيقاع الألم.
اعتُقلت عساف في فبراير 2025 على خلفية ما يزعم الاحتلال أنه “تحريض”، غير أن التهمة – أيًّا كان توصيفها – لا تُسقط حقها الطبيعي في العلاج، ولا تُجيز أن يتحوّل المرض إلى أداة استنزاف داخل السجن. فالأسيرة كانت قد اكتشفت إصابتها بسرطان الدم قبل اعتقالها بشهرين فقط، ما يعني أن حالتها الصحية كانت تتطلب متابعة دقيقة وفحوصات دورية وعلاجًا متخصصًا، لا بيئة احتجاز قاسية تُفاقم الألم وتُسرّع التدهور.
منذ لحظة الاعتقال، بدأت رحلة أخرى من المعاناة. ظروف احتجاز صعبة، توتر دائم، نقص في التغذية المناسبة، وحرمان من الرعاية الطبية الملائمة…كلها عوامل تشكّل ضغطًا مضاعفًا على جسدٍ يُصارع مرضًا خبيثًا يحتاج إلى استقرار ورعاية حثيثة. ومع مرور الأيام، تتراجع المؤشرات الصحية، ويكبر القلق من أن يتحول الإهمال الطبي إلى حكمٍ بطيءٍ بالإعدام.
قضية فداء عساف ليست مجرد ملف صحي داخل سجن، بل مرآة تعكس واقع الأسيرات الفلسطينيات اللواتي يعشن بين قيدين: قيد السجن، وقيد الإهمال الطبي. فالحق في العلاج ليس منّة، بل التزام قانوني وأخلاقي تكفله المواثيق الدولية، حتى في أحلك ظروف الصراع. وعندما يُحرم المريض من دوائه، فإن الجريمة لا تكون في المرض، بل في من يتعمّد تركه يتفاقم.
إنّ صمت العالم أمام معاناة أسيرة تصارع سرطان الدم خلف القضبان، يفتح بابًا واسعًا للأسئلة: كيف يُترك الجسد ليذبل تحت وطأة الألم؟ وأيُّ عدالةٍ تُجيز أن يتحول المرض إلى أداة ضغطٍ وعقاب؟
فداء عساف اليوم ليست رقمًا في سجلّ الأسر، بل إنسانة ينهشها المرض، وأمٌّ وامرأةٌ تحمل في جسدها قصة صراعٍ مزدوج مع السرطان والسجّان. وواجب الإنسانية يقتضي تحركًا عاجلًا لضمان حصولها على العلاج اللازم، قبل أن يتحول الإهمال إلى مأساة جديدة تُضاف إلى سجلّ الألم الفلسطيني.
ففي الزنازين، قد تُقيَّد الأيدي…لكن الوجع حين يُترك بلا دواء، يصبح شاهدًا صارخًا على سقوط القيم.






