في الذكرى الخمسين لإعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، حظيت المناسبة باهتمام بارز في وسائل الإعلام الألمانية. حيث خصصت صحف ألمانية مهمة مساحات تحليلية للحديث عن مرور خمسين عامًا على إعلان الجمهورية الصحراوية في 27 فبراير 1976، مستعرضة السياق التاريخي للنزاع في الصحراء الغربية، ومستقبل حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، والتحولات الدولية المحيطة بالقضية.
نشرت صحيفة «يونغا فيلت» مقالاً بعنوان «الدولة في المنفى»، قدم فيه الصحفي والخبير الألماني، يورغ تيدشين، قراءة تاريخية للحظة إعلان الجمهورية الصحراوية بعد انسحاب إسبانيا والغزو المغربي الذي تلاها. ركزت الصحيفة على دور جبهة البوليساريو في تأسيس مؤسسات دولة صحراوية في المنفى، معتبرة أن استمرار النزاع بعد نصف قرن يعكس فشل المجتمع الدولي في فرض حل قائم على استفتاء تقرير المصير. كما أبرزت معاناة اللاجئين الصحراويين واستمرار المواجهة السياسية والعسكرية، معتبرة القضية آخر ملف تصفية استعمار لم يُحسم بعد في القارة الإفريقية.
وأوضحت الصحيفة أن الهدف الأساسي من إعلان الجمهورية الصحراوية كان منع حدوث فراغ سياسي. لكن الأمر أصبح أكثر من مجرد عمل رمزي. ففي مارس 1976، اعترفت عدة دول بالجمهورية الفتية، على رأسها مدغشقر وبوروندي، وتلتها الجزائر في 6 مارس. خلال السنوات التالية، ارتفع عدد الدول المعترفة إلى 86 دولة. اليوم، تُعد الجمهورية الصحراوية عضوًا مؤسسًا في الاتحاد الإفريقي، وأنشأت إدارة خاصة بها من المقرر أن تمتد لتشمل الصحراء الغربية بأكملها.
في مواجهة التحديات الراهنة
من جهة أخرى، ركزت صحيفة «دي تسايت «على الجوانب القانونية والدبلوماسية للنزاع. استعرضت الصحفية «ماري أنطوانيت ننغوان «جذور النزاع الصحراوي منذ عام 1975، مشيرة إلى أن الصحراء الغربية لا تزال تُصنّف في القانون الدولي كإقليم غير متمتع بالاستقلال. كما أبرزت تعثر إجراء الاستفتاء الذي ترعاه الأمم المتحدة منذ عقود. إضافة إلى ذلك، تناولت الصحيفة الأبعاد الاقتصادية والسياسية للملف، بما في ذلك تأثير علاقات الاتحاد الأوروبي بالمغرب على المواقف الأوروبية تجاه الصحراء الغربية.
في السياق نفسه، ركزت صحيفة «نويس دويتشلاند» على التحديات الراهنة للقضية الصحراوية. أشارت إلى أن التحولات في السياسات الدولية تجعل الذكرى الخمسين مناسبة للتذكير بأن حق تقرير المصير لا يزال معرضًا للخطر. وأبرزت أن الجمهورية الصحراوية تمثل اليوم أهم عقبة قانونية وسياسية أمام السياسة التوسعية والغزو المغربي للمنطقة.
وتعكس هذه التغطيات، في مجملها، تنامياً ملحوظًا في اهتمام الصحافة الألمانية بالقضية الصحراوية، خلال السنوات الأخيرة.
الأبعاد السياسية والقانونية
في السياق، احتضنت «دار شبورا» المجتمعية ببرلين ندوة فكرية سلطت الضوء على الأبعاد السياسية والقانونية لإعلان الجمهورية الصحراوية، في سياق تأكيد متزايد داخل الأوساط الأكاديمية والحقوقية الأوروبية على شرعية كفاح الشعب الصحراوي في مواجهة الاحتلال المغربي.
ونشط الندوة عضوا الاتحاد التقدمي الإسباني للمدعين العامين، فيليبي بريونيس وإيسابيل تشامورو، والباحثة القانونية الصحراوية، آمة لحبيب.
وقد شكلت الندوة مساحة حوار معمق حول الأسس القانونية التي استند إليها إعلان الدولة الصحراوية ومكانتها في القانون الدولي والتحديات التي واجهتها، خلال خمسة عقود من النزاع السياسي والدبلوماسي.
وفي كلمة له، استعرض ممثل جبهة البوليساريو بألمانيا، محمد المامون أحمد ابراهيم، السياقات التاريخية التي رافقت إعلان الجمهورية الصحراوية، مؤكدا أن الإعلان تم في ظروف استثنائية بالغة القسوة وعلى وقع القصف العنيف الذي تعرض له المدنيون الصحراويون، بما في ذلك استخدام النابالم والفوسفور، وما رافقه من سياسات تهجير ومحاولات تطهير عرقي.
وأوضح الدبلوماسي الصحراوي أن حدث الإعلان شكل حينها فعلا سياديا مقاوما لحماية الوجود القانوني والسياسي للشعب الصحراوي وترسيخ حقه في تقرير المصير، مضيفا أن الدولة استطاعت أن تكرس حضورها كحقيقة جهوية وإقليمية ودولية عبر بناء مؤسساتها الدستورية وتنظيم جيشها وتطوير تمثيلها السياسي والدبلوماسي.
وقال إن بلاده تقيم اليوم علاقات ثنائية مع أكثر من ثمانين دولة عبر العالم وتعد عضوا مؤسسا في الاتحاد الإفريقي بما يعكس رسوخها في الفضاءين الإفريقي والدولي ككيان سياسي قائم يسعى إلى استكمال سيادته على كامل ترابه الوطني.
وأكد المتدخلون أن إعلان الجمهورية قبل نصف قرن لم يكن مجرد خطوة رمزية، بل جاء تتويجا لمسار نضالي ارتكز على حق الشعوب في تقرير المصير، في ظل استمرار وضعية الصحراء الغربية كآخر مستعمرة في أفريقيا وفق توصيفات أممية.


