العميد بلغـــول: مقاربــة تشاركيــة شمـــلت جميـع الأطـــراف.. والرهـان هـو المواطـن
ضــرورة ملحــة للحفــاظ على السيـــادة الرقميــة وحمايــة مصالـح بلادنا
التحكّـم في البيانــات والشبكــات والأنظمة مطلـــب أساسـي لضمـان أمـن المعلومـات
الذكاء الاصطناعي والجيل الخامس والحوسبة السحابية.. تهديدات تستهدف المنشآت الحساسة
أكّد المدير العام لوكالة أمن الأنظمة المعلوماتية بوزارة الدفاع الوطني، العميد بلغول عبد السلام، أمس، أنّ الفضاء السيبراني أصبح اليوم من أولويات الدولة الوطنية، مشدّداً على أنّ أمن الأنظمة المعلوماتية لم يعد مجرد خيار، بل ضرورة ملحة للحفاظ على السيادة الرقمية وحماية مصالح الجزائر.
أوضح العميد بلغول خلال إشرافه على إطلاق الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية، أنّ الفضاء السيبراني يتميّز بالتعقيد والانفتاح الواسع بلا حدود، ويشهد تزايداً هائلاً في الخدمات الرقمية التي تتعرّض لهجمات سيبرانية متنوعة، تشمل حجب الخدمات، التخريب، تسريب البيانات، التصيد الاحتيالي وانتحال الهوية، إلى جانب الاختراقات المؤسّسية الكبرى.
كما أكّد أنّ السيادة الرقمية أولوية وطنية، إذ أصبحت قدرة الدولة على التحكّم في بياناتها وشبكاتها وأنظمتها مطلباً أساسياً، لضمان أمن المعلومات وحماية التحول الرّقمي في جميع القطاعات.
أشار العميد إلى أنّ التحديات السيبرانية اليوم تتّسم بتطور كبير، إذ لم تعد الهجمات مجرّد أعمال منعزلة، بل أصبحت مدعومة من دول لأغراض تجسّسية أو تخريبية أو سياسية. وتزداد رقعة هذه الهجمات بالتوازي مع توسّع الرقمنة، ما يجعل كل المؤسّسات التي تتجه نحو الرقمنة عرضة للمخاطر.
وأضاف أنّ تطور التكنولوجيا الرقمية، واستخدام الذكاء الاصطناعي، والجيل الخامس، والحوسبة السّحابية، وأجهزة إنترنت الأشياء في العمليات الرقمية، ساهم في ظهور تهديدات جديدة تستهدف المنشآت الحساسة.
كما أشار إلى أنّ حجم الخسائر الناتجة عن الهجمات السيبرانية على مستوى العالم، وصل إلى ما يقارب عشرة آلاف مليار دولار بحسب إحصاءات عام 2025، ما يعكس حجم التحديات الهائل وأهمية التصدي لها بشكل فعّال على الصعيد الوطني والدولي.
أكّد العميد أنّ ندرة الموارد البشرية المؤهّلة في مجال الأمن السيبراني تشكّل تحدياً على المستوى الوطني والدولي، وهو ما يحتّم على الجزائر تطوير قدراتها في هذا المجال الحيوي لضمان المرونة السيبرانية وحماية البنى التحتية.
الهيكلة الوطنية للأمن السيبراني
في سياق حماية الأنظمة الوطنية، تطرّق العميد بلغول عبد السلام إلى الهيكلة الوطنية للأمن السيبراني، موضّحاً أنّ إنشاء المجلس الوطني لأمن الأنظمة المعلوماتية ووكالة أمن الأنظمة المعلوماتية، جاء وفق مرسوم رئاسي في 20 جوان 2020، بهدف ضمان تنسيق الجهود وحماية الأنظمة الوطنية من الهجمات السيبرانية.
وأوضح أنّ المجلس الوطني يتولى المهام الاستراتيجية المتعلقة بتحديد عناصر الاستراتيجية الوطنية، بينما تتكفّل الوكالة بالمهام العملياتية والتنظيمية وتعزيز القدرات، من خلال جمع وتحليل المعلومات المتعلقة بالتهديدات السيبرانية، وإجراء التحقيقات الرقمية، واقتراح النصوص التشريعية، بالإضافة إلى التكوين والتوعية والبحث العلمي في المجال.
وكشف العميد بلغول، أنّ إعداد الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية 2025-2029 اعتمد على مقاربة شاملة وتشاركية شملت جميع الأطراف المعنية، واستفادت من مستخلصات اللجنة الوطنية حول الأمن السيبراني الصادرة في جوان 2023، كما تمّ تحليل بيانات الأنظمة المعلوماتية الوطنية لتحديد نقاط الضعف والتهديدات.
وأضاف أنّ الوكالة استعانت أيضاً بالاستراتيجيات الناجحة في الدول الرائدة، وبأدلة الاتحاد الدولي للاتصالات لتوجيه إعداد الاستراتيجية، مشيراً إلى أنّ سلسلة من الورش والاجتماعات الدورية مع مختلف المؤسّسات، ساهمت في إثراء محتوى الاستراتيجية قبل عرضها على المجلس الوطني للمصادقة.
ستة مبادئ توجيهية
أوضح العميد أنّ الاستراتيجية الوطنية تم اعتمادها رسمياً في 30 ديسمبر 2025، وتعتمد على ستة مبادئ توجيهية أساسية، تشمل تعزيز السيادة الرقمية الوطنية، مواكبة التحول الرقمي، المحافظة على المكاسب التقنية المحقّقة، التنسيق الشامل بين جميع المؤسسّات المعنية، تثمين الموارد، وتحقيق أهداف قابلة للقياس ضمن آجال محدّدة.
كما تهدف الرؤية الاستراتيجية إلى ضمان المرونة السيبرانية الوطنية، من خلال تعزيز قدرات الوقاية والكشف والاستجابة للهجمات، ودعم التحول الرقمي وحماية السيادة الرقمية للبلاد. وأكّد العميد أنّ الاستراتيجية ترتكز على أربعة أهداف رئيسية، تشمل بناء مرونة سيبرانية للأنظمة الوطنية، تطوير نظام بيئي وطني ملائم للأمن السيبراني، إعداد موارد بشرية مؤهلة، وتعزيز التعاون الدولي في المجال.
كما ركّزت الاستراتيجية على أربعة محاور تنفيذية تشمل القدرات التقنية والعملياتية، الإطار القانوني والتنظيمي والمعياري، التكوين والبحث والتحسيس، والتعاون الوطني والدولي، بهدف ضمان حماية شاملة للأنظمة الوطنية وتعزيز ثقافة الأمن السيبراني بين جميع الأطراف.
وبالنسبة لمتابعة تنفيذ الاستراتيجية، أوضح العميد أنّ عملية التنفيذ تعتمد على منهجية تشاركية مع متابعة مرحلية من خلال جلسات عمل وتقارير دورية، وإعداد مخطّط عمل بالتعاون مع جميع الأطراف الفاعلة لضمان تحقيق أهداف الاستراتيجية ضمن الأطر الزمنية المحدّدة.
وأكّد أنّ الوكالة ستطلق مضمون الاستراتيجية للمواطنين بثلاث لغات العربية والإنجليزية والفرنسية، مع التركيز على التحسيس والتوعية، لأنّ الحلقة الأضعف في أي منظومة أمنية هي الفرد، مهما كانت الحلول التقنية المتاحة.
ووفق العميد بلغول لم يعد الأمن السيبراني خياراً، بل ضرورة وطنية ملحة، وأنّ نجاح هذه الاستراتيجية يتطلّب التزام جميع المؤسّسات والمواطنين، مفيداً أنّ هذه الخطوة ليست نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة لتعزيز سيادة الجزائر الرقمية وحماية مستقبلها الرقمي.
دور المواطن والوعي المجتمعي
بدوره أكّد الدكتور محمد ماليك، رئيس اللجنة العلمية لوكالة أمن الأنظمة المعلوماتية، أنّ الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية تشكّل اليوم إطاراً رسميا وعمليا يجمع مختلف المبادرات المتفرقة السابقة في مجال الأمن السيبراني، ويتيح للجزائر تنفيذ سياسات عمومية واضحة وفعّالة لحماية أنظمتها الرقمية.
وأوضح ماليك أنّ هذه الاستراتيجية ليست مجرّد وثيقة تنظيمية، بل وسيلة متكاملة لتعزيز الأمن السيبراني على مستوى المؤسّسات والمواطنين، مشيراً إلى أنّ نجاحها يتطلب الانتباه إلى ثلاثة عناصر أساسية، هي الإنسان، والعمليات، والتكنولوجيا، أي ما يعرف بـ People، Process، Technology.
وأشار إلى أنّ أي ثغرة في الإنسان، سواء كان مستعملاً عادياً أو مهنياً، أو في سير العمل أو العمليات، أو في التكنولوجيا المستخدمة، قد تشكّل خطراً حقيقياً على الأمن السيبراني للبلاد. وأضاف أنّ الوعي والتحسيس المجتمعي يعدان عنصرين حاسمين، إذ لا يقتصر الأمر على الشركات أو المؤسّسات، بل يشمل المواطن البسيط، الذي قد يتصرّف أمام حاسوبه أو هاتفه بطريقة تعرض معلومات حساسة للخطر، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بالأنظمة الوطنية أو بيانات مؤسّساتية مهمة.
أكّد أنّ غياب الوعي المجتمعي يعقد تحقيق أهداف الاستراتيجية ويقلّل من نتائجها المرجوة، مشيراً إلى أنّ كل مواطن له دور في حماية الفضاء الرّقمي الوطني.
كما أوضح أنّ اللّجنة العلمية تتدخّل بالتنسيق مع الوكالة، لتتّبع التطورات العلمية والتكنولوجية السريعة على المستوى العالمي، خاصة في مجالات الرقمنة والأمن السيبراني، وأنّ نجاح الاستراتيجية يعتمد على تضافر جهود كل الأطراف المعنية على المستوى التقني، العملي، والتوعوي.





