احتضن المتحف العمومي الوطني للفنون والتقاليد الشعبية، بالتنسيق مع المتحف العمومي الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط بقصر مصطفى باشا، أول أمس، لقاء علميا مميزا تزامنا مع إحياء اليوم العالمي للمرأة المصادف لـ08 مارس. وجاءت هذه المبادرة لتؤكد أن المطبخ ليس مجرد فضاء يومي لإعداد الطعام، بل هو ذاكرة حية تختزن تحولات المجتمع الجزائري عبر العصور.
شهد اللقاء تقديم محاضرة لمليكة بن مصباح، أستاذة محاضرة بالمدرسة العليا للفنون الجميلة بالجزائر، بعنوان «مظاهر التغذية في الجزائر من الفترة الإسلامية حتى نهاية الفترة العثمانية»، بحضور ثلة من الباحثين والطلبة والمهتمين بالتراث المادي واللامادي.
وفي مستهل مداخلتها، شدّدت المحاضِرة على أن التغذية ظاهرة ثقافية واجتماعية تعكس البنية الحضارية للمجتمع، إذ يرتبط الطعام بالمكانة الاجتماعية، وبالبيئة الطبيعية، وبالتأثيرات الحضارية المتعاقبة. وأوضحت أن المنطقة ظلت مندمجة ضمن النظام الغذائي المتوسطي، متأثرا بحركية الهجرات والتبادلات التجارية والحروب.
وتطرّقت إلى ملامح التغذية في الفترة الإسلامية، حيث شكلت الحبوب ـ خاصة القمح والشعير ـ العمود الفقري للغذاء اليومي، وانتشرت زراعتها في مناطق مثل بجاية، قسنطينة، تلمسان وشرشال. ومن طحينها صُنع الخبز الذي عُد المادة الأساسية في الحواضر والبوادي، إلى جانب أطباق الدشيش والكسكس والعصيدة والبسيسة. كما عرفت تلك المرحلة تنظيما للأسواق عبر وظيفة «المحتسب» الذي كان يراقب الجودة والأسعار.
وفي ما يتعلق بالحلويات، أبرزت الأستاذة بن مصباح حضور «المقروض» (المقروط) في الشرق الجزائري، خاصة في قسنطينة، حيث ظل رمزا للضيافة والأعياد. كما استُعمل العسل على نطاق واسع، في ظل ندرة السكر وارتفاع ثمنه، ما جعل الحلويات في بداياتها مرتبطة أكثر بالمناسبات.
المحور الثاني من المحاضرة خصّصته للمرحلة الأندلسية، عقب سقوط غرناطة سنة 1492م، حيث استقر الأندلسيون في مدن ساحلية وداخلية، وأسهموا في تطوير الزراعة، فأدخلوا أصنافا جديدة من الخضر والأشجار المثمرة، ووسعوا زراعة الحمضيات والعنب والتين والرمان. كما كان لهم أثر واضح في تنويع تقنيات الطهي وإغناء الوصفات.
فانتشرت أطباق مثل البسطيلة والسفيرية، واستُعمل الزعفران لإضفاء النكهة واللون، كما شاعت تقنيات «العقدة»، بإضافة البيض إلى بعض الأطباق. وفي مجال الحلويات، ازدهرت صناعة الزلابية وكعب الغزال والكعك بأنواعه، إلى جانب طبق «المروزية» الذي تحول في الجزائر إلى «لحم لحلو»، وأصبح مرتبطا بسهرات رمضان والأفراح.
أما خلال الفترة العثمانية، فقد شهدت إيالة الجزائر تأثرا واضحا بتقاليد البلاط في إسطنبول، خاصة في قصر «طوب قابي»، ما انعكس على أنماط العيش والمائدة. وظهرت أطباق مثل الدولمة، الرشتة، البوراك، والبقلاوة..كما انتشرت القهوة وأدواتها الخاصة، وظهرت المقاهي كمجال اجتماعي جديد.
وتحدّثت المحاضِرة عن أدوات المائدة التي دخلت في تلك الفترة، مثل «السني» النحاسي و»الجزوة»، التي تحولت إلى عناصر راسخة في الثقافة المنزلية الجزائرية، قبل أن تتغير وظائف بعضها في العصر الحديث لتصبح أقرب إلى رموز زخرفية.وقد خلص اللقاء إلى أن تاريخ المطبخ الجزائري هو تاريخ تفاعل حضاري طويل، تداخلت فيه التأثيرات الإسلامية والأندلسية والعثمانية، لتنتج مائدة غنية ومتنوعة تعكس عمق الهوية الجزائرية.
كما شكّل الاحتفاء بيوم المرأة مناسبة لتسليط الضوء على الدور المحوري الذي لعبته المرأة الجزائرية عبر القرون في حفظ هذا التراث ونقله، إذ كانت الحارسة الأولى للوصفات والتقاليد، وصانعة الذوق الجماعي الذي ما يزال حيّا في البيوت الجزائرية إلى اليوم.







