في زوايا جامعة مصطفى اسطمبولي بولاية معسكر، لا تسمع فقط صدى المحاضرات العلمية ونقاشات المختبرات، بل تصغي إلى سمفونية لغوية ولهجات متعددة تمتزج في فضاء واحد، وتحديدا بإقاماتها الجامعية، حيث اختار 34 طالباً جامعياً من 12 دولة أفريقية وعربية أن تكون “مدينة الأمير عبد القادر” محطة لأحلامهم الأكاديمية الكبرى، لكنهم وجدوا فيها ما هو أبعد من الشهادة الجامعية؛ وجدوا “وطناً بدلاً من الغربة”.
مع حلول شهر رمضان المبارك، تتحول المطاعم الجامعية في معسكر إلى ملتقى حضاري بامتياز، يجلس الطالب المالي بجانب زميله الفلسطيني، والتشادي بجوار الصحراوي يتبادلون أطراف الحديث مع النيجيري والموريتاني.
مائدة إفطار عابرة للحدود
هذا المشهد اليومي على مائدة الإفطار ليس مجرد تجمّع لتناول الطعام، بل هو إعلان صريح عن نجاح السياسة الاجتماعية للخدمات الجامعية في احتواء هؤلاء الشباب.
يؤكد الطلبة الدوليون أن مائدة الإفطار الجزائرية، بتفاصيلها العريقة، استطاعت أن تملأ الفراغ العاطفي الذي يتركه البعد عن الأهل، “الحريرة” المعسكرية برائحتها النفاذة، و«البوراك” المقرمش، وطبق “اللحم الحلو”، لم تعد أطباقا غريبة عليهم، بل أصبحت جزءاً من ذاكرتهم اليومية، حيث يقول الطالب الفلسطيني عمرو محمد خليل، وهو يبتسم بامتنان: “لقد جئت لدراسة الهندسة في سنتي الأولى، لكنني تعلّمت درساً في الكرم الجزائري..الأطباق هنا تجربة رائعة، والكسكسي والبوراك جعلاني أشعر أنني في بيتي تماماًّ.
ظروف الإقامة..”بيت بعيد عن البيت”
لا تتوقف الرعاية عند حدود مائدة الطعام، بل تمتد لتشمل ظروف الإقامة التي وصفها الطلبة بـ “المثالية”، فمنذ وصولهم إلى جامعة معسكر سُخّرت لهم كافة الإمكانيات المادية والبشرية لضمان تحصيل علمي في أجواء مريحة، غرف مجهزة، فضاءات للمطالعة، وإنترنت عالي التدفق، والأهم من ذلك كله، المعاملة الإنسانية من طرف الطواقم الإدارية والعمال الذين يسهرون على راحتهم.
ويشيد الطلبة الأفارقة، القادمون من دول الساحل وجنوب الصحراء، بالأمان النفسي الذي يشعرون به داخل وخارج الحرم الجامعي، فالمواطن المعسكري، بطبعه المضياف، لا يتعامل معهم كـ “أجانب”، بل كضيوف كرام وزملاء لأبنائهم، مما خلق بيئة اجتماعية خصبة ساعدتهم على التأقلم السريع مع نمط الحياة في الجزائر.
تحديات العلم ودفء الانتماء
إنّ اختيار 34 طالبا من 12 دولة مختلفة لجامعة معسكر ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة لسمعة الجامعة الجزائرية قارياً وعربياً، هؤلاء الطلبة يمثلون سفراء لبلدانهم، وفي ذات الوقت يصبحون مستقبلاً سفراء للجزائر في أوطانهم، ويؤكّد أحد الطلبة من دولة النيجر أن “الدراسة في معسكر تمنحنا توازناً نادراً؛ جودة التعليم وتوفر المراجع من جهة، والحياة الاجتماعية الدافئة من جهة أخرى، وهو ما يجعلنا نركز على أبحاثنا دون الشعور بمرارة الوحدة”.
رسالة من “قلب إفريقيا”
وبينما تقترب شمس رمضان من الغروب فوق جبال بني شقران بمعسكر، وتتعالى أصوات المآذن، يجتمع هؤلاء الشباب ليرفعوا أكف الضراعة بالخير للجزائر وشعبها، ليرسموا قصة نجاح تتجاوز أسوار الجامعة؛ قصّة تؤكد أن الجزائر تظل دائماً القبلة التي تحتضن أحلام الشباب العربي والأفريقي، وتثبت أن معدن الشعوب يظهر بوضوح في قدرتها على جعل الغريب يشعر بأنه ابن الدار.
في معسكر، لم يجد هؤلاء الطلبة مقعداً دراسياً فحسب، بل وجدوا عائلة كبيرة تضم 12 جنسية، تجتمع كل مساء لتكسر صيامها على ملح الطعام وصدق المشاعر.
ولاكتمال هذه اللوحة الإنسانية الفريدة، تبرز الطالبة “باميلا” القادمة من كينيا، والتي تتابع دراستها العليا بجامعة معسكر في تخصص العلوم الدقيقة. باميلا، الشابة المسيحية التي تعيش وسط مجتمع جامعي ذي أغلبية مسلمة وفي ذروة شهر رمضان، تقدم نموذجاً حياً للتعايش الديني والحضاري؛ فهي تؤكد بابتسامة واثقة أن “الاختلاف العقائدي لم يكن يوماً حاجزاً في معسكر، بل كان جسراً للمودة”.
تقول “باميلا” إنها تشارك زميلاتها وجبات الإفطار الجماعي ليس كواجب ديني، بل كطقس اجتماعي دافئ يكسر روتين الدراسة ويقرب القلوب، مشيرةً إلى أن احترام معتقداتها وخصوصيتها من طرف الإدارة وزملاء الدراسة جعلها تشعر بأمان منقطع النظير.
بالنسبة لباميلا، فإن “رمضان في معسكر” ليس مجرد شهر للصيام، بل هو موسم تتجلى فيه أسمى قيم التسامح الجزائري، حيث تجد نفسها محاطة برعاية زميلاتها اللواتي يحرصن على دعوتها لمقاسمتهن “صينية الشاي” والحلويات التقليدية، في أجواء روحانية تجعلها تنسى بعد المسافات عن كينيا، وتؤمن بأن الإنسانية لغة عالمية تتحدثها الجزائر بطلاقة.






