الصّيـــام تمريـن علـى إصغــاء الإنسـان إلـى ذاتــه وإلى العــالم
يتحدث الدكتور والروائي القاص يوسف العيشي في حواره مع «الشعب» عن التحول الذي يحدثه شهر رمضان في وعي الإنسان بالزمن، موضحا أن هذا الشهر يمنح الإيقاع اليومي بعدا روحيا وتأمليا يجعل الإنسان أقرب إلى ذاته وإلى أسئلته الداخلية. وأشار إلى أن هذا التحول ينعكس على تجربة الروائي، حيث تنشط الذاكرة وتستعيد تفاصيل الطفولة وطقوس العائلة وأجواء المكان، وهو ما قد يتحول إلى مادة سردية غنية تغذي الكتابة الروائية.
الشعب: مع حلول شهر رمضان يتغير إيقاع الحياة اليومية لدى الأفراد والمجتمعات، ويتحول الزمن من مجرد تعاقب للساعات إلى تجربة مشبعة بالتأمل والذاكرة والروحانية. من موقعك كباحث في اللغة والأدب وروائي مهتم بأسئلة المعنى والكتابة، كيف تنظر إلى هذا التحول الذي يحدثه رمضان في وعي الإنسان بالزمن وباللغة وبالذات؟ وهل ترى أن هذا الشهر يفتح للمثقف والكاتب أفقا مختلفا للتفكير والإبداع، بحيث يصبح أكثر قربا من أسئلته الداخلية ومن علاقته العميقة بالكلمات والعالم؟
الدكتور يوسف العيشي ميمون: بالتأكيد، فمع حلول شهر رمضان يتغيّر إيقاع الحياة اليومية على نحو بارز، ليس ذلك فقط على مستوى العادات والسلوك، بل حتى في مستوى الوعي بالزمن ذاته. فالزمن في هذا الشهر يتحول بوصفه سلسلة متتابعة من الساعات إلى حالة روحية وثقافية مركّبة، حيث يتباطأ فيها الإيقاع الخارجي عكس الإيقاع الداخلي الذي يصبح أكثر كثافة. وهذا التحول بطبيعة الحال ينعكس على علاقة الإنسان باللغة وبالذات. ومن موقعي كباحث في اللغة والأدب، أرى أن رمضان يعيد ترتيب علاقة الإنسان بالمعنى؛ ذلك أن الصوم في جوهره ليس امتناعا جسديا فحسب، بل هو تمرين على الإصغاء، إصغاء الإنسان إلى ذاته وإلى العالم من حوله.
– كيف ينعكس شهر رمضان على تجربة الروائي في علاقتها بالزمن واللغة والذاكرة؟وهل يمكن القول إن هذا الشهر يحرّض على نوع خاص من الكتابة الروحية والتأملية، أم أنه يفرض أحيانا عزلة وصمتا يعيدان تشكيل علاقة الكاتب بالفعل السردي؟
أعتقد أن رمضان يفتح للمثقف والكاتب أفقا مختلفا للتفكير والإبداع. ففي هذا الشهر تتكثف العلاقة بالذاكرة وبالنصوص المؤسسة في الثقافة العربية والإسلامية، وعلى رأسها القرآن الكريم، وهو نص لغوي وجمالي بالغ التأثير في الوعي العربي. هذه العودة اليومية إلى النص، سواء عبر التلاوة أو التأمل، تعيد تنشيط الحس اللغوي لدى الكاتب، وتجعله أكثر انتباها إلى موسيقى اللغة وإيقاعها ودلالاتها العميقة. ومن خلال ما ذكرت، فإنّه يمكن القول بأنّ رمضان لا يمنح الكاتب وقتا إضافيا للكتابة، بقدر ما يمنحه حالة ذهنية وروحية مختلفة، تجعله أقرب إلى أسئلته الداخلية وإلى علاقته العميقة بالكلمات.
– كثيرا ما يتحدّث الروائيون عن الزمن بوصفه مادة أساسية في بناء النص. هل يتغيّر إحساسك بالزمن خلال رمضان، بحيث يؤثر ذلك في طريقة تشكّل النص الروائي من حيث الإيقاع الداخلي، ومساحات التأمل، وبناء المشاهد السردية؟
كثير من الروائيين يكتشفون في هذا الشهر أن الذاكرة تصبح أكثر نشاطا، ربما لأن الإيقاع الهادئ يسمح باستعادة صور الطفولة وطقوس العائلة وأجواء الحيّ القديم. هذه التفاصيل الصغيرة قد تتحول لاحقا إلى مادة سردية خصبة. وفي المقابل، قد يفرض رمضان أحيانا نوعا من الصمت أو العزلة الإبداعية، لا بمعنى الانقطاع عن الكتابة، بل بمعنى التحول من الكتابة المباشرة إلى مرحلة التأمل الداخلي للنص.
– إلى أي حد يمكن اعتبار الصوم شكلا من أشكال العزلة الإبداعية التي تمنح الكاتب فرصة للإنصات إلى صوته الداخلي؟ وهل يمكن أن تتحول هذه الحالة التأملية إلى مصدر لإعادة اكتشاف الذات والذاكرة داخل الكتابة؟
في رمضان يتغير الإحساس الشخصي بالزمن؛ وتقسيم اليوم فيه يمنح الكاتب إيقاعا خاصا، مما قد ينعكس على الكتابة السردية، إذ تصبح المشاهد أكثر بطئا وتأملا، وتتسع مساحات الوصف الداخلي والتفكير. مع التأكيد أنّه ليس بالضرورة أن يكتب الروائي عن رمضان مباشرة، لكن الإحساس المختلف بالزمن قد يترك أثره في إيقاع النص وفي طريقة بناء المشاهد والشخصيات.
– حضور الروحانية في الأدب مسألة دقيقة، لأن الرواية قد تنزلق بسهولة إلى خطاب مباشر أو وعظي. كيف يمكن للسرد الروائي أن يستوعب التجربة الروحية دون أن يفقد طابعه الجمالي والفني؟ وهل تعتقد أن اللغة الرمزية والإيحاء السردي قادران على التعبير عن هذه التجربة بعمق أكبر من الخطاب المباشر؟
بداية لا يمكن للرواية بأيّ شكل الأشكال أن تكون خطابا وعظيا، ذلك أنّ الرواية، بطبيعتها الفنية، لا تحتمل الخطاب الوعظي المباشر. فإذا تحولت التجربة الروحية إلى خطاب تعليمي صريح، فإن النص يفقد كثيرا من جماله الفني. لذلك فإن الطريق الأنسب أمام السرد الروائي هو الإيحاء والرمزية. اللغة الرمزية قادرة على نقل التجربة الروحية دون أن تشرحها أو تفرضها على القارئ، وقد تظهر الروحانية في تفاصيل صغيرة: في صمت شخصية ما، في لحظة تأمل، في مشهد ليلي هادئ، أو في شعور داخلي بالتحول. بهذه الطريقة تصبح التجربة الروحية جزءا من النسيج السردي، لا خطابا منفصلا عنه.
– في ظل التحولات التي تعرفها اللغة العربية في الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تتداخل المستويات اللغوية وتنتشر الأخطاء والمفاهيم الملتبسة، هل ترى أن الروائي والمثقف اليوم مطالب بوعي لغوي مضاعف حتى يحافظ على جماليات اللغة ودقتها؟
فعلا، فنحن نعيش مرحلة معقدة من التحولات. فالفضاء الرقمي فتح المجال لتداخل مستويات لغوية مختلفة، وأصبح الخطاب العام مزيجا من الفصحى والعامية واللغات الأجنبية. هذا التنوع ليس مشكلة في حد ذاته، لكنه أحيانا يؤدي إلى انتشار أخطاء لغوية ومفاهيم غير دقيقة. من هنا أعتقد أن دور المثقف والروائي اليوم يتطلب وعيا لغويا مضاعفا. فاللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي وعاء للمعرفة وللذاكرة الثقافية. عندما يكتب الروائي بلغة دقيقة وجميلة، فإنه يساهم بشكل غير مباشر في حماية هذا الإرث اللغوي وتطويره.
– تقدم خلال شهر رمضان سلسلة مرئية بعنوان «قنطاس»، وهي مبادرة تهدف إلى تصحيح بعض الأخطاء اللغوية وتوضيح مفاهيم أدبية متداولة. ما الذي دفعكم إلى إطلاق هذه السلسلة في هذا التوقيت بالذات؟ وهل جاءت استجابة لملاحظاتكم حول تراجع الوعي اللغوي في الخطاب الثقافي والإعلامي؟
عطفا على السؤال السابق، فقد جاءت فكرة تقديم السلسلة المرئية «قنطاس» كمبادرة ومشروع ثقافيّ مؤجل، ذلك بعد ملاحظة تكرار بعض الأخطاء اللغوية والمفاهيم الأدبية في الخطاب الإعلامي والثقافي، بل وحتى في بعض الكتابات المتداولة على نطاق واسع. واختيار شهر رمضان لتقديم هذه السلسلة لم يكن مصادفة؛ فهذا الشهر يشهد عادة إقبالا أكبر على المحتوى الثقافي والفكري، كما أنّ الناس فيه يكونون أكثر استعدادا للتأمل والاستماع إلى الأفكار الجديدة. لذلك بدا التوقيت مناسبا لطرح هذه الموضوعات بطريقة مبسطة وقريبة من الجمهور.
– اختيارك لوسيط مرئي قصير لتقديم مادة لغوية وأدبية يطرح سؤالا حول طرق تبسيط المعرفة في العصر الرقمي. كيف يمكن، في رأيكم، تحقيق التوازن بين الدقة العلمية والعمق المعرفي من جهة، وبين الاختصار والوضوح اللذين تفرضهما المنصات الرقمية من جهة أخرى؟
اختيار الوسيط المرئي القصير يطرح بالفعل تحديا مهما: كيف يمكن تبسيط المعرفة دون أن تفقد دقتها؟ في رأيي، السر يكمن في التركيز على فكرة واحدة واضحة في كل حلقة، وتقديمها بلغة دقيقة لكنها بسيطة. الاختصار لا يعني التسطيح، بل يعني القدرة على الوصول إلى جوهر الفكرة دون إغراق في التفاصيل. يمكن تشبيه الأمر بوجبات الأكل السريعة التي بات يفضلها الناس، نأخذ خطأ شائعا أو فكرة لغوية أو أدبية بصورة نقدية، ثم نحاول تقديمها في صورة واضحة يسهل تذكرها. وإذا أثارت هذه الفكرة فضول المتلقي، فقد تدفعه إلى البحث والقراءة أكثر. وهذا بالتحديد هدف السلسلة.
– من خلال متابعتك للمشهد الثقافي والإعلامي، ما أبرز الأخطاء اللغوية أو المفاهيم المغلوطة التي لاحظتم انتشارها في الخطاب العام، والتي تحاول سلسلة «قنطاس» تفكيكها وتصحيحها؟
من خلال متابعة الخطاب الثقافي والإعلامي، هناك بالفعل عدد من الأخطاء والمفاهيم المغلوطة التي تتكرر كثيرا. من بينها الخلط بين بعض المصطلحات الأدبية، أو استعمال تراكيب لغوية غير دقيقة، أو نقل معلومات دون التحقق من مصادرها. مثل هذه الأخطاء قد تبدو صغيرة، لكنها مع التكرار تتحول إلى جزء من الخطاب العام. لذلك تحاول سلسلة «قنطاس» أن تتعامل معها بروح هادئة وبأسلوب مبسط، ليس بهدف التصحيح اللغوي الصارم، بل بهدف نشر قدر أكبر من الوعي اللغوي.
– هل يمكن اعتبار مثل هذه المبادرات الثقافية الرقمية شكلا جديدا من أشكال «التثقيف العمومي»، خاصة خلال شهر رمضان حيث يزداد إقبال الجمهور على المحتوى الفكري والثقافي؟ وكيف يمكن للمثقف أن يستثمر هذه اللحظة الزمنية لإعادة فتح النقاش حول اللغة والأدب والمعرفة؟
طبعا، يمكن اعتبار هذه المبادرات الرقمية شكلا جديدا من أشكال التثقيف العمومي. فالمعرفة لم تعد حبيسة الكتب الأكاديمية أو قاعات الجامعات، بل أصبحت تتحرك في فضاءات متعددة، من بينها المنصات الرقمية. وشهر رمضان يوفر لحظة زمنية مناسبة لهذا النوع من المبادرات، لأن الجمهور يكون أكثر حضورا وتفاعلا. والمثقف يمكنه أن يستثمر هذه اللحظة لإعادة فتح النقاش حول اللغة والأدب والمعرفة بطريقة قريبة من الناس.
– بين انشغالك بالبحث وتقديم مبادرات معرفية مثل سلسلة «قنطاس»، وبين اشتغالك بالكتابة الروائية التي تحتاج إلى زمن طويل من التأمل والبناء السردي، كيف توفق بين هذين المسارين؟ وهل ترى أن الوعي اللغوي العميق يثري التجربة الروائية ويمنحها أدوات أوسع للتعبير؟
أما عن التوفيق بين البحث الأكاديمي والمبادرات المعرفية من جهة، والكتابة الروائية من جهة أخرى، فلا أخفيكم بأنّه تحدٍ حقيقي. فالبحث يتطلب دقة ومنهجية وصبرا، بينما الرواية تحتاج إلى زمن طويل من التخييل والتأمل. لكن في المقابل، هناك علاقة تكامل بين المجالين. الوعي اللغوي العميق الذي يمنحه البحث الأكاديمي يثري التجربة الروائية، لأنه يمنح الكاتب أدوات أكثر دقة للتعبير وبناء الجملة السردية. وفي الوقت نفسه، تمنح الرواية الباحث حسا إنسانيا أوسع، لأنها تفتح أمامه أسئلة الحياة والتجربة الإنسانية.
– أخيرا، كيف تنظر إلى دور المثقف اليوم في زمن التحولات الرقمية السريعة؟ وهل تعتقد أن مسؤولية المثقف لم تعد تقتصر على إنتاج المعرفة، بل تمتد أيضا إلى تبسيطها وتداولها داخل الفضاء العام بطرق جديدة تصل إلى جمهور أوسع؟
الشطر الثاني من سؤالكم هو عين الجواب، فمسؤولية المثقف لم تعد تقتصر على إنتاج المعرفة داخل الدوائر الأكاديمية أو النخبوية، بل أصبحت تشمل أيضا القدرة على تبسيط هذه المعرفة وتقديمها للجمهور بطرق جديدة. الفضاء الرقمي، رغم ما فيه من فوضى أحيانا، يتيح فرصة حقيقية للوصول إلى جمهور واسع. والمثقف الذي يستطيع الجمع بين العمق المعرفي والوضوح في الخطاب يمكنه أن يلعب دورا مهما في إعادة الاعتبار للغة وللفكر وللثقافة في المجال العام.







