تشهد الساحة الأكاديمية الجزائرية مبادرة بحثية جديدة تسعى إلى مقاربة أحد أبرز التحولات التي عرفها المشهد السردي المعاصر، وذلك من خلال الأعمال البحثية التي شارك بها عدد من الباحثين في تأليف كتاب علمي جماعي محكّم يحمل عنوان «الرواية الجزائرية الشبابية في الألفية الثالثة: قبس الإبداع ورهانات النقد». ويصدر هذا العمل بإشراف ومراجعة الدكتورة ليندة مسالي والدكتور يوسف رحيم من جامعة عبد الرحمن ميرة ـ بجاية، بمشاركة باحثين مختصين في مجالي الأدب والنقد.
يطمح المشروع العلمي إلى تحليل ظاهرة الكتابة الروائية الشبابية في الجزائر خلال الألفية الثالثة، ورصد التحولات التي طرأت على خطابها السردي وتقنياتها الفنية، فضلا عن دراسة علاقتها بالمجتمع وبالمنجز الروائي والنقدي العربي. ويسعى القائمون على هذا الكتاب إلى تقديم مقاربات علمية رصينة تتجاوز الأحكام المسبقة، وتعمل على فهم هذه الظاهرة في تعقيدها الثقافي والجمالي، من خلال تفكيك بنياتها السردية واستجلاء مرجعياتها الفكرية والجمالية، إضافة إلى تحليل ارتباطها بسياقاتها الاجتماعية والثقافية وبالسوق الأدبية وآليات التلقي.
وينطلق هذا المشروع من إشكال مركزي يتساءل عن مدى اعتبار الرواية الشبابية في الجزائر ظاهرة أدبية قائمة بذاتها تمتلك مرجعياتها وخصوصياتها الفنية، أم أنها مجرد نتاج ظرفي تحكمه آليات السوق الثقافية والرواج الإعلامي. كما يطرح أسئلة نقدية أخرى تتعلق بمدى ملاءمة المقاربات التفكيكية لرصد التقنيات السردية في هذه النصوص، وحدود مصطلح «الرواية الشبابية» ومشروعيته النقدية، إلى جانب البحث في الخصوصيات الجمالية والتقنية التي تميز هذا النوع من الكتابة.
كما يسعى الكتاب إلى استكشاف الكيفية التي تعكس بها الروايات الشبابية تحولات المجتمع والوعي والذات، وطبيعة تلقيها نقديا وإعلاميا، إضافة إلى التساؤل حول إمكان تجاوز القراءة البنيوية للنص السردي نحو آفاق أوسع تشمل التداولية والتأويل، بما يفتح مجالات جديدة لفهم النصوص الأدبية وتفسيرها.
ويتوزع الكتاب الجماعي ذو الترقيم الدولي على مجموعة من المحاور والفصول العلمية، التي تتناول جوانب متعددة من هذه الظاهرة. ويتعلق المحور الأول بإشكالية المصطلح والمفهوم، حيث يناقش موقع الرواية الشبابية بين التحديد المفهومي والتداول الإعلامي والشرعية النقدية، ويتساءل عمّا إذا كان بالإمكان اعتبارها ظاهرة أدبية قائمة أم مجرد موضة ثقافية عابرة.
كما يخصص محور آخر لدراسة المرجعيات الفكرية والثقافية، من خلال تحليل أثر القراءات العربية والعالمية في تشكيل الكتابة الروائية لدى الشباب، واستكشاف العلاقة بين التجربة الفردية والوعي الجماعي في هذه النصوص. بينما يتناول محور البناء الجمالي والتقني قضايا السرد والزمان وتعدد الأصوات، إضافة إلى حضور الجسد والهوية والجنوسة في الرواية الشبابية، فضلا عن حضور الفانتازيا والتشويق والرواية الرائجة وعلاقتها بالواقع الاجتماعي الجزائري.
ويبحث محور آخر مضامين الرواية الشبابية وتحولات الواقع، من خلال قراءة المضامين الاجتماعية والسياسية وتمثلات الذات، والنظر إلى الرواية بوصفها وثيقة ثقافية أو سلعة رمزية في السوق الأدبية. كما يتطرق الكتاب إلى مسألة تلقي الرواية الشبابية، عبر دراسة إشكالية المقروئية والسوق الثقافية، وعلاقة هذه الأعمال بالجوائز الأدبية واستراتيجيات النشر والتسويق.
أما المحور الأخير فيركز على المقاربات المنهجية، مثل النقد الثقافي والدراسات الثقافية والتداولية والتفكيك والسرديات وسرديات ما بعد الحداثة، في محاولة لفتح آفاق نقدية جديدة للتعامل مع الكتابة الروائية الشبابية، بوصفها ممارسة إبداعية تعكس تحولات الوعي وتعيد تشكيل العلاقة بين الكاتب والقارئ والنص في عالم سريع التغير، تتداخل فيه الثقافة والإعلام والرقمنة.
وللإشارة، فقد اختُتمت مهلة استقبال أعمال الباحثين يوم 15 مارس الجاري، على أن تنتهي عملية المراجعة العلمية النهائية للكتاب في 20 أفريل المقبل، فيما يرتقب صدوره رسميا في 20 ماي 2026.






