وُلد أسامة في مخيمٍ لا يمنح أبناءه إلا ضيق المكان وسعة الحلم. هناك تعلّم مبكرًا أن الطريق إلى الكرامة لا يُفرش، وأن المعرفة وحدها قادرة على فتح نوافذ في جدران الصفيح. في مدارس وكالة الغوث كان اسمه يسبق حضوره؛ طالبًا نبيهًا، مهذبًا، يحمل في صمته يقينًا وفي كلماته مسؤولية أكبر من عمره، بينما كان الأب المدرس، المدير لاحقاً، يتابعه بنظرة ملؤها الأمل الخفي.
كبر أسامة، ولم يترك المخيم خلفه، بل حمله معه. صار طبيبًا، ثم مسؤولًا، ثم صوتًا لا يلين. تقلّد مناصب وطنية ومهنية، لكن المنصب لم يكن يومًا غايته؛ كان وسيلته للدفاع عن الناس، عن العاملين في المهن الصحية، عن الحق حين يصبح قولُه مكلفًا. كان جريئًا، لا يساوم على كرامة، ولا يلتفّ على الحقيقة. لذلك، عرف طريق الاعتقال أكثر من مرة، وخرج منه في كل مرة أكثر صلابة، كأن القيد كان امتحانًا إضافيًا لا بدّ منه.
في البيت، لم يكن أخًا فحسب. يقول إخوته إنهم كانوا يقفون على كتفيه كي لا يسقطوا، وكان السند حين يضعفون، والظهر الذي يحتمون به، والصوت الذي يعلو عندما تعجز حناجرهم عن الكلام. كان حكمة حين يحارون، وطمأنينة حين يشتد القلق.
ثم جاء الغياب، قريبًا على نحوٍ لم يُمهِل أحدًا للاستعداد، انكسر الجبل فجأة، مرضٌ قصيرٌ، ثم صمت طويل.
يومها لم يكن الرحيل فرديًا. خرج الناس أفواجًا، لم تكن شوارع المخيم تسع الناس، جاءوا من كل مكان، متخطين الجغرافيا القاسية، كاسرين حصار الظروف، ليشيعوا ليس رجلاً، بل “قضية”.
كانت أمواجاً بشرية هادرة، تهمس جميعاً بأن الراحل لم يكن اسماً في قائمة، بل قيمة متجذرة في الوجدان، لأن الفقد كان عامًا.
وقف الإخوة عند القبر، وكلٌّ يحمل طريقته في الوداع. محمد جاء صباحًا متردد الخطى، وقف أمام القبر الطري، وقدماه ترفضان الاقتراب. “صباح الخير يا أخي”، همس بصوت مبحوح ، لقد أجل هذه الزيارة أياماً، لأن قلبه لم يتعلم بعد كيف يزور أخاه الكبير تحت التراب. وقال آخر إن رحيله كان إنكساراً طويل الأمد، وجرحاً سيبقى مفتوحاً. وكانت أخته عفاف تذوب كما الشمعة، قالت : “سأبكيك عمراً يا أخي، كنت أكثر من أخ، كنت الوطن حين نتعب، والظل حين تحرقنا الحياة، كنت نصير المظلومين، حتى على حساب نفسك، وكنت محبوباً، لأن قلبك لا يعرف القسوة يوماً”. أما الأصدقاء، فدخلوا القاعات فوجدوا المقاعد أوسع من اللازم، والصمت أثقل من الكلام، لأن مقعد أسامة كان حاضرًا بفراغه.
رحل الجبل. فانكشفت السهول من تحته. لكن ما لم يرحل هو الأثر. ما زرعه في الناس من شجاعة ومسؤولية ظلّ يعمل بصمت، كجذرٍ عميق لا تراه العين، لكنه يمنع الأرض من الانهيار.
هكذا انتهت حياة أسامة، ولم تنتهِ قصته. فبعض الرجال، حين يغيبون، لا يُقاس حضورهم بالسنوات، بل بما يتركونه من قدرةٍ في الآخرين على مواصلة الطريق، رغم وجع القلوب وتعب الأرواح.





