لم يكن هذا العيد يشبه أي عيد مضى.. في كل عام، كانت الشوارع تمتلئ بضحكات الأطفال، وكانت البيوت تضيء بفرحة صغيرة تُخبّئها القلوب طوال العام. لكن هذا العام، جاء العيد ثقيلاً… صامتاً… كأنه غريب لا يعرف الطريق إلى الفرح.
في غزة، لم يكن هناك بيت إلا وفيه حكاية ألم. جريحٌ يتنفس بصعوبة، أسيرٌ غائب خلف القضبان، أو شهيدٌ ترك خلفه فراغاً لا يُملأ. البيوت لم تعد بيوتاً، بل أكوام من الركام تحمل ذكريات من عاشوا فيها يوماً.
وفي زاوية من هذا الألم، كانت هناك خيمة صغيرة تسكنها فاطمة.
فاطمة، التي لم تُكمل عامها الرابع عشر بعد. طفلة بعيون واسعة تحلم كثيراً، رغم كل شيء. كانت تقول دائماً إنها ستصبح مهندسة معمارية، لتعيد بناء كل بيت هُدم، وكل شارع اختفى، وكل حلم تكسّر.
قبل أيام من العيد، كانت فاطمة مختلفة قليلاً عن بقية الأطفال في المخيم. كانت تبتسم.. تضحك.. كأنها تُقاوم الحزن بطريقتها الخاصة. اشترت ملابس جديدة، بسيطة لكنها كانت بالنسبة لها كنزاً. كانت تضمها إلى صدرها كل ليلة قبل النوم، وتهمس لأمها:
«متى يأتي العيد؟”
كانت تنتظره كما ينتظر الأطفال في كل مكان.. بلهفة، ببراءة، بحلم صغير أن تفرح.
وفي ليلة العيد، نامت وهي تحتضن ملابسها، وكأنها تخاف أن تضيع منها الفرحة.
جاء صباح العيد..
لا أصوات تكبيرات عالية، لا زيارات، لا ألعاب، لا ضحكات تملأ المكان. فقط صمت ثقيل، يتخلله صوت الطائرات البعيد.. والقريب.
لبست فاطمة ملابسها الجديدة. نظرت إلى نفسها وابتسمت. خرجت من الخيمة بخطوات خفيفة، تحاول أن تصنع لنفسها عيداً صغيراً، ولو للحظة.
لكن العيد لم يمهلها.
دوى صوت انفجار قريب.. قريب جداً.
ارتجف كل شيء.
صرخات، غبار، خوف، وركض في كل اتجاه.
سقطت فاطمة.
لم تفهم ما حدث. فقط شعرت بألم شديد، ثم صمت.
نُقلت إلى المستشفى.. أو ما تبقى منه. كانت عيناها تبحثان عن أمها، عن شيء مألوف، عن طمأنينة ضائعة.
وقف الطبيب بعد ساعات طويلة، بوجه متعب، وصوت مثقل:
«فاطمة.. لن تمشي مرة أخرى”.
كلمات قليلة.. لكنها كانت كافية لتكسر ما تبقى من الطفولة.
عادت فاطمة إلى خيمتها.. لكن ليس كما خرجت منها.
لم تعد تركض، لم تعد تقفز، لم تعد تلاحق العيد في الشوارع. أصبحت تجلس، تنظر بعيداً، وكأنها تبحث عن نفسها التي كانت.
مرت الأيام ..
وفي إحدى الليالي، سألت أمها بصوت هادئ:
«هل أستطيع أن أصبح مهندسة.. وأنا لا أمشي؟”
سكتت الأم، وغرقت عيناها بالدموع. لكنها ابتسمت رغم الألم، وقالت:
«نعم يا فاطمة.. ستحلقين.. حتى لو سُرقت منك الأجنحة”.
ابتسمت فاطمة.
وفي تلك اللحظة، لم تكن مجرد طفلة فقدت قدرتها على المشي.. كانت حلماً يرفض أن ينكسر.
كبرت فاطمة.. على كرسيها، لكنها لم تكبر في الاستسلام. كانت ترسم البيوت.. الشوارع.. المدارس






