المرافقــــة والمساعـدة على بنـاء شخصية قوية.. أول خطوة لنجاح العـلاج
ترى المختصة في علاج الإدمان والناشطة الجمعوية فاطمة بسراي، أنّ الإدمان على تعاطي المخدرات، ليس نهاية طريق أو نهاية حياة، فهو يمكن أن يكون بداية التعافي وبناء حياة جديدة، خاصة إذا توفّر العلاج والدعم النفسي والاجتماعي المناسب، كما أنّ الوقاية تبدأ داخل الأسرة من خلال الحوار، والعلاج يبدأ حين تتعامل مع الأزمان كمرض يحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي، دون الحكم على المدمن أو إقصائه من المجتمع.
تشمل العلامات النفسية التي تظهر بكثرة عند المدمنين على تعاطي المخدرات خاصة الشباب، بحسب المختصة في علاج الإدمان فاطمة بسراي «التقلّبات المزاجية، حيث يكون المتعاطي أو المدمن عصبي بكثرة، تنتابه نوبات من الغضب أو العكس، كما يكون هناك عدائية في سلوكه وأيضا في مزاجه».
أو بالعكس – تضيف بسراي – في تصريح لـ»الشعب»، «يكون هناك انطواء وانعزال المدمن مع غياب التواصل مع الآخرين، العائلة، والمحيط. لا يشارك في المناسبات العائلية، ولا يجلس معهم، ويسجّل عنده أيضا نوع من التهرّب من مواجهة الواقع، وتشتد خطورة الأعراض حين يفقد المدمن محفّزاته الدافعية، ينقطع تدريجيا عن ممارسة الرياضة، يبتعد عن هواياته، تتقلص دائرة أصدقائه شيئا فشيئا، وتظهر عليه علامات الاضطراب والانزواء والتهرّب».
كما نسجّل عندما يكون في بداية تعاطيه المخدرات، تقول بسراي «الإحساس بأنه غير مرغوب من قبل والديه والأسرة وأنه مرفوض من العائلة والمحيط، ليس محبوبا ولا تُعطى له القيمة التي يستحقها، باستثناء دائرة الأصدقاء الذين يتعاطى معهم المخدرات، هذا ناهيك عن اضطرابات في النوم، وفي تناول الطعام».
وترى المختصة في معالجة الإدمان أنّ الآباء والأمهات الذين يبنون علاقات متينة مع أبنائهم يمكنهم الانتباه إلى أي تغيير في سلوكهم ولو كان بسيطا أو انحراف عن عاداتهم الطبيعية، على غرار الغيابات المتكرّرة عن الدراسة أو التربّص أو العمل، أو أن يصبح المتعاطي متطلّبا جدا وبإلحاح شديد للمال، مع تقديم الأعذار الواهية لذلك.
وقالت بسراي إنه «يمكن للعائلة حين تكتشف أنّ أحد أفرادها يتعاطى مناسباتيا أو مدمنا، أن تتابعه وترافقه باستمرار وتراقب كل تغيير في سلوكياته حتى تتمكّن من مساعدته».
أول خطوة.. معرفة الأسباب
أكّدت بسراي أنّ «محاولة معرفة وفهم الأسباب التي دفعت بالمتعاطي إلى ذلك، هي أولى الخطوات التي يستلزم القيام بها حين نكتشف أنّ الشخص يتعاطى المخدرات، وتنصح هنا بفتح الحوار معه في المقام الأول مع الحرص على تفادي الصراخ العالي والنرفزة والعنف اللفظي أو الجسدي، وتحسيسيه بالذنب وتأنيب الضمير، ثم لا بد من اللّجوء إلى الأخصائي النفسي أو مركز معالجة الإدمان لطلب المساعدة، وهنا يتم تشخيص الحالة ووصف طريقة التكفل بالمدمنين بمساندة العائلة».
وعن التحديات التي يواجهها المدمن في فترة العلاج، صنّفت المتحدثة في المقام الأول الأعراض الانسحابية التي تظهر عليه حين يبدأ في الإنقاص من المادة المهلوسة التي يتعاطاها، إضافة إلى خطر الانتكاسة، وأيضا نظرة المجتمع ووصمة العار التي قد تثقل كاهل ونفسية الحالة. في السياق، أشارت بسراي إلى أنّ «التحدي بين الطابو الذي يشكّله الإدمان الذي يرفضه الجميع، ومسؤولية المتعاطي الذي اتخذ القرار بنفسه ودخل في مشاكل الإدمان، هو من بين التحديات الكبيرة التي تولّد ضغطا كبيرا سواء على الأخصائي النفساني أو المعالج على مستوى مركز مكافحة الإدمان».
غياب الوعي يُضعف فرص العلاج
في سياق تشخيصها للتحديات التي قد تعيق العلاج، تطرّقت بسراي إلى الانتكاسة، وأيضا إلى المشاكل السوسيو-اقتصادية، أو الأمراض الجسدية، أو العقلية الوراثية، أو المشاكل الاجتماعية، والنفسية أو الصدمات العميقة منذ الطفولة، أو الصراعات وكذا المشاكل الراسخة داخل العائلة، التي قد تكون وراء لجوء الفرد إلى الإدمان.
هناك أيضا – تضيف المختصة – «نقص الوعي، حين تجد من يفضل اقتناء الدواء والمهدئات في الشارع وفي السوق السوداء ويرفض أن يأخذ الأدوية التي تعالج الأعراض سواء الانسحابية أو السلوكية، والمعرفية، أو العقلية التي يصفها له الأخصائي النفساني أو الطبيب».
تجربة «شباب بدون مخدرات»
بحكم تجربتها الطويلة كمعالجة في مركز مكافحة الإدمان، ونشاطها الجمعوي كنائب رئيس جمعية مكافحة الإدمان والمخدرات، تراهن بسراي على إمكانية مساعدة المدمنين في الخروج من هذا النفق المظلم، وذلك بتظافر جهود الجميع بدءا من العائلة والمؤسّسات التربوية ومؤسّسات الرياضة والشباب والثقافة والفنون، وصولا إلى مركز مكافحة الإدمان والمجتمع المدن.
واستدلت محدثتنا بالتجربة الاجتماعية الثرية والناجحة تحت شعار «شباب بدون مخدرات»، التي قادتها الجمعية سنة 2018، والتي حاولنا – تقول – «من خلالها إعادة إدماج سوسيو-مهنية ومتابعة نفسية واجتماعية لـ30 شابا مدمنا»، كان الهدف منها خلق صلة بين التكفل الطبي في مركز مكافحة الإدمان والتكفّل النفسي والاجتماعي، ما بعد أو أثناء العلاج».
وعرفت هذه التجربة برمجة حصص نفسية اجتماعية مع هؤلاء الشباب، بهدف فهم أسباب الإدمان، وتعليم المعني كيفية بناء شخصيته، مواجهة صعوبات الحياة، ومشاكله النفسية، قبل التطرّق إلى الحياة المهنية والاجتماعية.
وأشارت بسراي إلى أنّ «هناك العديد من الشباب الذين استطاعوا أن يخرجوا من دائرة الإدمان، ونجحوا في التغلّب على المخدرات جاعلين من ذلك نقطة تحول في حياتهم إلى الأفضل، أذكر على سبيل المثال قصة نجاح حالة متأزّمة جدا متعدّدة التعاطي تابعتها، كان في سن 26، وكان يقوم بالكثير من الانتكاسات، لكن بعد إخضاعه للاستشفاء لمدة 20 يوما، وبعد مراقبة 3 سنوات استطاع استرجاع حياته الطبيعية، وإيجاد منصب شغل وتكوين علاقات اجتماعية وصداقات صحية، الزواج وتأسيس عائلة، إضافة إلى الانخراط في الجمعية، وأصبح مرافقا لعلاج المدمنين».
الاستثمار في البرامج التربوية..
تكمن مساهمة الجمعيات أو المؤسّسات الشبابية، سواء كانت تابعة للثقافة والفنون، والشباب والرياضة – بحسب بسراي – في تقديم المهارات وتقنيات التحكّم في الحياة اليومية وضبط النفس، وهو ما يساعد في التحكّم في الأعصاب والمشاعر وفي الحياة اليومية، ويساعد على تغيير السلوك نحو إيجابية أكثر.
وأضافت بسراي أنه «كلما توفّرت هذه البرامج الإدماجية وكانت جيّدة كلما قلّت الانتكاسة، لاسيما حين تُوفّر فرص التعرّف على شباب آخرين ومنهم شباب واعٍ من الجامعة، والذين يمثلون القدوة، مهمّتهم مرافقة المدمنين ومساعدتهم على الاندماج في المجتمع».
ومن الجانب التربوي، ترى بسراي أنه من الضروري وضع برامج تربوية تهتم بالجانب النفسي، نستطيع من خلالها أن نعلّم الأطفال أو المراهقين كيف يديرون مشاعرهم ويهتمون بها، وكيف يلجأون إلى الشخص الصحيح في حالة تعرّضهم للضغوطات والمشاكل.





