منذ أن أبصر “ثائر” النور، كان والده يحيطه بعنايةٍ خاصة، لا تخفى على أحد. أحبه أكثر، ولبّى له ما استطاع من طلبات، وميّزه عن إخوته بمحبةٍ ظنّها الأب وقاية من قسوة الأيام.
كبر الصّبي، ودخل المدرسة متأنقا في لباسه، مهذبا في سلوكه، متفوقا في دراسته، حتى صار مثالا يُشار إليه بين أقرانه.
حين أنهى الثانوية بمعدلٍ عالٍ، لم يتردد والده في تسجيله بجامعةٍ خاصة، وتكفّل بكل شيء: الأقساط والقرطاسية، وسكن الغربة.
كان يعمل في مؤسسةٍ خاصة، يواصل الليل بالنهار، كي لا يشعر ابنه يوما بالحرمان أو النقص أمام زملائه. وكان يتصل به باستمرار، يسأله عن دراسته، وعن حاجاته، وعن المال إن قصر.
تخرج ثائر، وامتلأ البيت فرحا. أقيمت حفلة متواضعة، لكنها صادقة، تشبه قلب الأب. وبعد التخرج، تركه والده يتدبر شؤونه بنفسه، فعمل في أعمالٍ حرة، بينما واصل الأب تزويج أبنائه الكبار واحدا تلو الآخر، بحفلات بسيطة لا إسراف فيها.
وحين جاء دور ثائر، اختلف الأمر. اختار عروسه بنفسه، من خارج الحمولة، وأقام له والده حفلا لم تشهد البلدة مثله: موسيقى صاخبة، وطعام وفير، وحديث لا ينتهي بين الناس. لم يطلب الأب من ابنه قرشا واحدا، بل كان يرفض أي محاولة للمشاركة، وكأنما أراد أن يمنحه كل ما ادّخره قلبه قبل ماله.
رزق ثائر بالأولاد، فكبر الفرح في قلب الجد، فصار يزورهم كل مساء، يداعبهم، ويشتري لهم ما يحبون، وكأنهم يعوضونه عن تعب السنين.
وذات مساء، ناول ثائر والده بطاقة بنكية، وقال له بلطف: “إن احتجتَ مالا، أعطِها لأي محل قريب، وخذ ما تشاء، حتى لا يحرجك ظرفٌ طارئ”.
ارتسمت على وجه الأب ابتسامةٌ صامتة، شعر فيها بأن عمره من العطاء لم يضع سدى، ووضع البطاقة في جيبه، لوقت الحاجة.
بعد أيام، خرج الأب مع بعض أقاربه لتقديم واجب العزاء في بلدة مجاورة. توقفوا عند محطة محروقات، فأخرج البطاقة وناولها للسائق ليعبئ الوقود. رفض السائق شاكرا، ومضوا. وسأله المرافقون:
«من أين لك البطاقة؟”،
فأجاب بفخرٍ هادئ: “من ولدي”.
ومرّ أسبوع، فإذا بزميلٍ له في العمل يشكو ضيق الحال وقرب زواجه. لم يتردد الأب، مدّ يده إلى جيب معطفه، وأخرج البطاقة، وقال: “اسحب منها ما تحتاج، وسدد لاحقا”.
اغرورقت عينا الشاب دموعا، وشكر له هذا الموقف النبيل، ودعا له بطول العمر.
وذات يوم، احتاج الأب مبلغا بسيطا، دخل محطة محروقات قريبة من عمله، وقدّم البطاقة وهو مبتسم، مطمئن القلب، واثقا أن فيها كل ما ادّخره ابنه طوال عمره. لكن الابتسامة تلاشت فجأة، حين قال الموظف بهدوء: “الرصيد غير كافٍ”.
توسّل إليه أن يعيد المحاولة، لعلّ الخطأ من الجهاز. حاول الموظّف أن يصون كرامة الشيخ، فطلب منه فحص البطاقة عند شخص آخر. لكنه لم يفعل، أعاد البطاقة إلى جيبه، وعاد الأب إلى بيته، كمن مشى في موكب عظيم ثم اكتشف أن الطريق مسدود.
في المساء، سلّم البطاقة لابنه بأدبٍ ومحبة، وقال: “يا ولدي، لم أعرف كيف أستخدمها”، كان صوته ناعما كالماء، لكن عينيه كانتا تحكيان قصة أخرى، ثم دعا له بطول العمر والرزق.
انتقل الخبر إلى ثائر، فاعتذر لوالده، وأخبره أنه سحب معظم الرصيد لشراء بضاعة، وأبقى مبلغا بسيطا فقط لتبقى البطاقة سارية. حمد الأب الله كثيرا؛ لأن البطاقة لم تُستخدم يوم الوقود، ولا يوم صديقه المحتاج، ونجا من حرجٍ كان سيصبح حديث الناس.
ومنذ ذلك اليوم، كلما رأى أحدا يستخدم بطاقة بنكية، دوّت في أذنيه عبارة الموظف: “الرصيد غير كافٍ” فيخرج منديله، ويمسح دمعة خجولة، لا من فقر المال، بل من غنى القلب الذي ظنّ أن العطاء يُقاس بالأرقام…فإذا به يُقاس بالصدق وحده.





