أطلق مسرح سيدي بلعباس الجهوي، مطلع الأسبوع، مختبر تكوين مسرحي موجّها لذوي الاحتياجات الخاصة حول محور “فضاءات الإبداع: تمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال المسرح”، وذلك على مستوى مركز النعمة لذوي الاحتياجات الخاصة، وبمشاركة مدرسة الأطفال المعاقين سمعيا. ويتبنى المشروع مقاربة متعددة التخصصات، من خلال ورشات في التعبير الجسدي والموسيقي والحكي والمجسمات والفن البريدي، وغيرها من مسارات التعبير الإبداعي.
انطلقت الأحد فعاليات مختبر التكوين المسرحي الموجّه لذوي الاحتياجات الخاصة، الذي يختتم المسرح الجهوي لسيدي بلعباس فعالياته غدا الأربعاء، ضمن محور “فضاءات الإبداع: تمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال المسرح”.
ووفقا لمسرح سيدي بلعباس، فإنّ هذا المشروع التكويني، الذي يحتضنه مركز “النعمة لذوي الاحتياجات الخاصة”، ويعرف مشاركة مدرسة الأطفال المعاقين سمعيا، “مسار إنساني يُعيد تشكيل العلاقة بين الفن والذات، حيث يتحوّل المسرح إلى مساحة للتعبير، وبناء الثقة، واكتشاف الطاقات الكامنة. ومن خلال ورشات متعددة، يُمنح المشاركون فرصة الحكي، الحضور، وصياغة تجاربهم بلغة فنية نابضة”.
وجاءت هذه المبادرة من مقاربة المسرح بوصفه فضاء جامعا تتقاطع فيه الفنون، وتُعاد داخله صياغة العلاقة بين الفرد وذاته ومحيطه. وبالتالي، يتأسس مشروع هذا المختبر المسرحي لذوي الاحتياجات الخاصة “باعتباره مسارا تكوينيا-تفاعليا يسعى إلى تمكين هذه الفئة من أدوات التعبير الفني، وتحرير طاقاتها الكامنة، وتعزيز حضورها الفاعل داخل النسيج الثقافي والاجتماعي”.
ويضيف ذات المصدر بأنّ “قيمة هذا التكوين تتجاوز البعد التقني إلى أفق إنساني أرحب، حيث يُعاد الاعتبار للقدرة بدل الإعاقة، ويُؤسَّس لخطاب جمالي يحتفي بالتنوع ويحوّله إلى قوة خلاقة داخل الفعل الإبداعي”. فهذا المختبر “ليس مجرد إطار للتعلم، بل هو فضاء حي للتجريب والبحث، تُصاغ فيه التجارب الفردية ضمن رؤية جماعية تُعزز الثقة بالنفس، وتنقي المهارات التواصلية، وتفتح آفاق الاندماج الحقيقي.”
ويتضمّن برنامج هذا المختبر التكويني تقديم ورقة علمية للبروفيسور إدريس قرقوة (قسم الفنون بجامعة سيدي بلعباس) عنوانها “علاج بالمسرح لذوي الاحتياجات الخاصة (مخطط عملي وتطبيقي للإدماج الاجتماعي والفني)”. كما تقترح التظاهرة ورشات تكوينية بالجملة، ويتعلق الأمر بورشة صناعة المجسمات (الماكيت) وعنوانها “من الذاكرة إلى المجسّم…سينوغرافيا تعيد تشكيل إرث المسرح”، من تأطير الفنان بلال يعقوب، وورشة “من الحكاية إلى الركح: مسارات التعبير الإبداعي لذوي الهمم العالية” التي يؤطّرها الممثل والمخرج المسرحي محمد بلقيصرية، وورشة “الفن البريدي كمسار علاجي تعبيري لتمكين ذوي الهمم العالية” من تأطير الفنان فارس إدير، إضافة إلى ورشتين تكوينيتين بعنوان “فضاءات الإبداع المسرحي: من الحكي الإبداعي إلى اللون الحي…مسارات التكوين الفني لذوي الهمم العالية” يؤطرهما الفنانان قادة بن سميشة ولصفر بخالد، وورشة “صناعة الأقنعة…جماليات القناع في فضاءات الإبداع” من تأطير الفنان عباس شبّاب، وورشة التعبير الجسدي والصوتي والحسّي” التي يؤطرها الفنان محمد بوزوينة، وورشة الموسيقى وعنوانها “مسارات التعبير الموسيقي في فضاءات الإبداع”، ومؤطرها الفنان سمير مرابط.
وعن هذا البرنامج، تقول الجهة المنظّمة إنّ المشروع يرتكز على مقاربة متعددة التخصصات، تنفتح على طيف واسع من الورشات الفنية والتعبيرية التي تتكامل فيما بينها لبناء تجربة غنية وشاملة، فمن خلال ورشات التعبير الجسدي، يتم الاشتغال على تحرير الجسد وتنمية وعيه الحركي داخل الفضاء المسرحي، بينما تُعنى ورشات التعبير الصوتي بتطوير النطق والإلقاء وبناء الصوت كوسيط للتواصل والإبداع. وتتيح ورشات التمثيل للمشاركين خوض تجربة التقمص واستحضار التجارب وتحويلها إلى مادة درامية حيّة.
أمّا ورشات الحكي فهي مساحة لاستعادة الصوت الداخلي وبناء المعنى عبر السرد، إلى جانب ورشات الرسم والتلوين التي تُمكّن المشاركين من التعبير البصري الحر، وتحويل الأحاسيس والأفكار إلى أشكال وصور تُغني الفعل المسرحي جماليا.
وتتكامل هذه المسارات مع ورشات التطهير والتفريغ النفسي، التي تُوفّر فضاءَ آمنا لتحرير الانفعالات، وتعزيز التوازن النفسي والوجداني، وفي قلب هذه التجربة، يحتل البعد الموسيقي مكانة محورية، ويتيح للمشاركين استكشاف ذواتهم عبر الصوت والنغمة، وتنمية الحس السمعي والتناسق الجماعي.
كما ينفتح المختبر على مختلف الحرف والمهارات التي يمارسها ذوو الهمم العالية، مثل الأشغال اليدوية، وصناعة الديكور، وتصميم الأزياء، وغيرها من التعبيرات الحرفية التي تدمج ضمن العملية الإبداعية، بما يُحوّل كل مساهمة فردية إلى عنصر فاعل بما يعزّز لديهم الإحساس بالانتماء والعمل الجماعي. وفي سياق توسيع آفاق التعبير، يخصّص المشروع حيّزا نوعيا لمحور الفن البريدي الذي يفتح أمام المشاركين إمكانية التواصل الفني عبر الرسائل والبطاقات والأعمال التشكيلية المتبادلة، ويتيح هذا المسار لذوي الاحتياجات الخاصة التعبير عن ذواتهم من خلال الكتابة، الرسم، اللصق، والتجريب البصري، في صيغة تفاعلية تتجاوز حدود المكان، وتعيد الاعتبار لفعل التواصل الإنساني في بعده الحميمي والإبداعي.
ويخلص منظّمو المختبر أنّ هذا الأخير “لا يمثّل مجرّد مشروع تكويني، بل هو فضاء لإعادة بناء الذات، وإنتاج المعنى، وترسيخ قيم الشمولية والتنوع داخل الحقل الثقافي، حيث يتحوّل المسرح إلى أداة استراتيجية للتمكين، وتغدو فضاءات الإبداع مجالا حيا لتلاقي الفنون، وتحرير الطاقات، وفتح آفاق جديدة لذوي الهمم العالية نحو حضور أكثر إشراقا وفاعلية في المجتمع”.





