ممرات التجارة وتطويــر وتوطين الخبرة..ركائز التعــاون الحيوي
أكد رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، في التصريح المشترك الذي أدلى به مع نظيره التشادي محمد إدريس ديبي إتنو، عقب المحادثات التي جمعت الطرفين بمقر رئاسة الجمهورية، أن ما تحقق بين الجزائر وتشاد يشكل خطوة هامة نحو بناء شراكة استراتيجية متكاملة.
ويعكس تصريح رئيس الجمهورية توجها واضحا في السياسة الجزائرية تجاه محيطها الإفريقي، يقوم على تحويل الرصيد السياسي والعلاقات التاريخية المحترمة إلى تعاون اقتصادي عملي، قادر على إنتاج مصالح مستدامة بين البلدين، وربط الفاعلين الاقتصاديين في الجزائر وتشاد ضمن مسار أكثر تنظيما وواقعية.
ولا يقتصر هذا التوجه على البعد الدبلوماسي التقليدي، فهو يعكس رؤية تقوم على إعادة بعث العلاقات الجزائرية التشادية على أسس اقتصادية وعلمية وتنموية، حيث تسعى الجزائر إلى جعل التعاون مع دول الساحل، وإفريقيا عموما، جزءا من مشروع اقتصادي متكامل، يستند إلى الاستثمار، التكوين، نقل الخبرة، وتوسيع المبادلات التجارية، وفي هذا السياق تبرز تشاد كشريك مهم بالنظر إلى موقعها الجغرافي، واحتياجاتها التنموية، وسوقها الواعدة التي يتجاوز عدد سكانها 19 مليون نسمة، إضافة إلى رغبتها في تنويع اقتصادها ورفع ناتجها المحلي الإجمالي المقدر بنحو 20 مليار دولار سنويا عبر شراكات أكثر جدية واستقرارا.
من السياسة إلى الاقتصاد
وتعمل الجزائر، من خلال هذا المسار، على استغلال المكاسب السياسية التي راكمتها في إفريقيا لفتح علاقات اقتصادية مستدامة، ودعم المشاريع، واتفاقيات، وممرات للتجارة، وفرص استثمارية، ولذلك جاء التأكيد على توقيع ما يقارب 30 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين الجزائر والتشاد ليعطي بعدا عمليا لهذا التوجه، لا سيما أن المجالات المطروحة تشمل قطاعات حيوية مثل الطاقة، المناجم، البنى التحتية، النقل، الصناعة، الصناعة الصيدلانية، والتبادل التجاري.
وفي سياق متصل، تكشف هذه الاتفاقيات عن اهتمام تشادي واضح بالاستفادة من التجربة الجزائرية في عدة قطاعات، خاصة التعدين والمناجم والصناعة والصناعة الدوائية، وهي قطاعات تمتلك فيها الجزائر خبرة متراكمة وقدرة على المرافقة والتكوين ونقل المعرفة، كما أن الجزائر – باعتبارها ثالث أكبر اقتصاد في القارة الإفريقية بناتج محلي يقترب من 300 مليار دولار – تملك هامشا مهما لدعم مسارات التنمية في تشاد، بمنطق الشراكة الاقتصادية التي تفتح المجال أمام المؤسسات الجزائرية لدخول السوق التشادي، وفي المقابل تمنح تشاد فرصة للاستفادة من خبرات وقدرات إنتاجية إفريقية قريبة وموثوقة.
إن دعوة الرئيسين إلى إضفاء ديناميكية جديدة على مجلس الأعمال الجزائري-التشادي تمثل نقطة محورية في هذا المسار، لأن نجاح العلاقات الاقتصادية لا يتوقف عند الاتفاقيات الحكومية فقط، بل يحتاج إلى جسور مباشرة بين المتعاملين الاقتصاديين، وغرف التجارة، والمؤسسات المنتجة، والمستثمرين، بما يسمح بتحويل الإرادة السياسية إلى مشاريع ملموسة في الميدان، علاوة على ذلك فإن تعزيز نتائج الدورة الأولى لمجلس الأعمال يمكن أن يفتح المجال أمام شراكات في النقل، اللوجستيك، الصناعة التحويلية، الأدوية، مواد البناء، والخدمات التقنية.
نموذج إفريقي للتعاون العملي
وتكتسب الشراكة الجزائرية التشادية أهميتها من كونها تقدم نموذجا للتعاون الإفريقي الإفريقي، القائم على المصالح المتبادلة لا على التبعية، فالجزائر لا تطرح نفسها كشريك سياسي فقط، بل كدولة تمتلك تجربة في بناء المؤسسات، تكوين الموارد البشرية، تطوير بعض القطاعات الصناعية، وتوسيع البنية التحتية، ولهذا جاء تأكيد رئيس الجمهورية على استعداد الجزائر لتكوين أكبر عدد ممكن من الإطارات التشادية وتقاسم الخبرة في مختلف التخصصات، كجزء من رؤية تعتبر أن التنمية تبدأ من الإنسان قبل المشاريع.
بالإضافة إلى ذلك، فإن البعد الأمني حاضر في خلفية هذا التقارب، خصوصا في ظل التحديات التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء، غير أن الأهم في المقاربة الجزائرية أنها لا تفصل الأمن عن التنمية، فمكافحة الإرهاب وحماية الاستقرار تحتاج أيضا إلى اقتصاد قوي، حدود أكثر تنظيما، فرص عمل، ومشاريع قادرة على تقليص الهشاشة التي تستغلها شبكات الجريمة والتطرف.
وبالتالي، فإن ما تحقق مع تشاد يمثل خطوة هامة نحو بناء شراكة استراتيجية، لكنها شراكة تحتاج إلى متابعة دقيقة، وتفعيل فعلي للاتفاقيات، وربط دائم بين الإرادة السياسية والقدرة التنفيذية، وهو المسار الذي يبدو أن الجزائر تسعى إلى ترسيخه مع تشاد ضمن رؤية أوسع لتعزيز حضورها الاقتصادي في إفريقيا، وبناء علاقات جنوب جنوب أكثر توازنا وفعالية.



