نمـوذج قـــاري رائــد للتعــاون والتنسيـــق جنــوب- جنــوب
شكلت الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس جمهورية تشاد، السيد محمد إدريس ديبي اتنو، إلى الجزائر، منعطفاً تاريخياً في مسار العلاقات بين البلدين، فقد تجاوزت الإطار الدبلوماسي التقليدي إلى بناء «شراكة استراتيجية متكاملة» ترسم نموذجاً إفريقياً رائداً للتعاون جنوب-جنوب.
أكد رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، أن ما تحقق اليوم يمثل خطوة حاسمة تعبر عن إرادة سياسية مشتركة لمواصلة مسار بدأ في سبتمبر الماضي، مشدداً على التزام الجزائر بالوقوف إلى جانب تشاد لبناء نموذج إفريقي ناجح، وأبرز أن الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس جمهورية تشاد إلى الجزائر «تعبر عن إرادتنا السياسية المشتركة لمواصلة المسار الذي رسمناه معا»، وأضاف أنها ترمي إلى «إعطاء دفع جديد للتعاون في مختلف المجالات، لا سيما في المجال الاقتصادي الذي يشمل الطاقة والمناجم والبنى التحتية والنقل والصناعة والصناعة الصيدلانية وكذا التبادل التجاري»، واتفق قائدا البلدين على أهمية تفعيل آليات التعاون، و»تحيين الإطار القانوني المنظم للعلاقات الجزائرية التشادية.
ومن جانبه، اعتبر الرئيس التشادي أن تواجده في الجزائر يعكس رغبة واضحة للانتقال من الصداقة الكلاسيكية إلى شراكة استراتيجية من الجيل الجديد، ترفض تهميش القارة وتستند إلى عمق تاريخي مشترك.
وانتقلت الأشغال إلى الشق الإجرائي، من خلال التوقيع على 28 اتفاقية ومذكرة تفاهم، شملت قطاعات الطاقة، والمناجم، والصناعة الصيدلانية، والبنية التحتية. بهدف تحويل العلاقات إلى تكامل ميداني يخدم مسار التنمية في البلدين، مع تفعيل مجلس الأعمال المشترك ليكون فضاءً حقيقياً للتواصل بين المتعاملين الاقتصاديين وجسراً لتعزيز الاستثمار والتبادل التجاري.
ويرى متابعون أن العلاقات الجزائرية التشادية تمثل نموذجاً متقدماً يقوم على مبدأ «رابح-رابح». فبينما تمتلك تشاد احتياطات نفطية ومعدنية هائلة من اليورانيوم والذهب، تبرز الحاجة إلى الخبرة التقنية الجزائرية لتطوير قدرات التكرير ورفع القيمة المضافة لهذه الموارد بشكل سيادي، وواضح أن هذه الشراكة تطمح إلى استغلال الموارد البشرية وتكوين الإطارات التشادية لضمان استغلال الثروات بعيداً عن منطق الاستغلال التقليدي.
ولقد أكد قائدا البلدين على أن التحديات الأمنية وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب، تفرض تنسيقاً عملياتياً مستمراً لحماية استقرار المنطقة، ولم يغب البعد الإنساني عن المحادثات، حيث أثنى الرئيس تبون على جهود تشاد في استقبال اللاجئين السودانيين، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والإنسانية تجاه تداعيات الأزمة في السودان الشقيق.
الربط اللوجستي قاطرة للاندماج القاري
يمثل نجاح إطلاق الخط الجوي المباشر بين الجزائر العاصمة وانجمينا في وقت قياسي، النموذج العملي الذي يسعى البلدان إلى تعميمه في كافة المجالات، بوصفه أداة لتقريب المسافات ورفض التهميش الإفريقي، وتعد هذه الخطوة الجوية الركيزة الأولى في استراتيجية «الجيل الجديد» من الشراكات، حيث تسهم في تسهيل حركة الأفراد ورجال الأعمال، وتضع حداً للعوائق الجغرافية التي طالما عرقلت الاندماج بين دول الساحل وعمقها الشمالي.
في سياق متصل، تتجه الأنظار نحو الدور المحوري لميناء «جن جن» العالمي الذي سيكون الرئة التجارية للعمق الإفريقي عبر ربطه الوثيق بالطريق العابر للصحراء والطريق السيار شرق-غرب، وهو المشروع اللوجستي الضخم الذي سيحول الجزائر إلى بوابة استراتيجية ومنصة انطلاق لتدفق السلع والخدمات نحو العمق الإفريقي، ما يضمن تدفقاً سلساً للمبادرات التجارية ويقلص التكاليف والآجال الزمنية للنقل البيني القاري.
ويرى خبراء أن هذه الحركية اللوجستية تسهم في إحداث تغيير جذري في الطابع الاقتصادي للمنطقة، من خلال خلق أقطاب صناعية وإنتاجية على طول المحاور العابرة للحدود.
إن تجسيد هذه المشاريع الكبرى للقارة، يحقق أمل التكامل والاندماج الفعلي، ويجعله واقعا ملموسا يرتكز على بنية تحتية قوية ومقاربة «رابح-رابح»، ويضمن الاستقرار المستدام والازدهار الاقتصادي المشترك.


