مؤشّرات الاقتصــــــــــــــاد الجزائري تسلك منحى تصاعديــــــــــا ثابتا
توقّعات ببلوغ النّاتج المحلي الإجمالي تريليون دولار عام 2029
يؤكّد الباحث في قانون الأعمال بجامعة الأغواط، الدكتور الحاج محمد الرق، أنّ الاقتصاد الجزائري دخل مرحلة النضج الهيكلي، ومؤشّراته ستسلك منحى تصاعديا ثابتا خلال السنوات المقبلة، وفقا لأحدث التقارير الصادرة عن كبرى المؤسسات المالية العالمية على غرار البنك وصندوق النقد الدوليين، يأتي ذلك في تنامي مؤشرات التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي مع دول الجوار الإقليمي والدول الإفريقية عموما.
أوضح الدكتور الحاج محمد الرڤ في تصريح لـ «الشعب»، أنّ الإجماع الدولي حول تصاعد نمو الاقتصاد الجزائري، لا يعكس تعافي المؤشرات الماكرو-اقتصادية فقط، إنما يشير بصراحة إلى أن الجزائر باتت تقود المسارات الإنتاجية في المنطقة بثقة واقتدار.
وتقدّمت الجزائر إلى المرتبة 39 عالميا، وباتت تحتل المرتبة الرابعة عربيا وإفريقيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي وفق تعادل القدرة الشرائية، وهو المؤشّر الذي يعكس الحجم الحقيقي والفعلي للقوة الاقتصادية بعيدا عن تقلبات العملات الأجنبية، وقطعت خطوات معتبرة، على صعيد تفعيل الشراكة الاقتصادية المربحة مع الدول الإفريقية، وبالأخص دول الجوار الإقليمي، والتي تضعها في أعلى سلم أولويات الصادرات خارج المحروقات، في ظل توفر البنى التحتية والأدوات اللوجستية.
واعتبر الرڤ أنّ التموضع في المربع الذهبي للقارة السمراء، إلى جانب نيجيريا، مصر وجنوب إفريقيا، ليس صدفة، إنما هو ثمرة الإصلاحات التي باشرها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، منذ تولّيه مقاليد الحكم، إضافة إلى قوّة الأسس الاقتصادية التي أشار إليها تقرير البنك العالمي، التي تتجلى في صفرية المديونية الخارجية، وتعاظم احتياطيات صرف العملة الصعبة لتتجاوز 70 مليار دولار.
شهادة دولية في المرونة والاستدامة
وكشف الحاج محمد أنّ تقريرا البنك الدولي وصندوق النقد، أظهرا أن الجزائر تشهد ازدهارا اقتصاديا استثنائيا يميّزها عن باقي دول محيطها الإقليمي، حيث انتقلت من مرحلة الصمود أمام الهزات العالمية إلى مرحلة قيادة مسار التنمية. ويعود هذا التّحوّل النوعي في بنية الاقتصاد الوطني، إلى نجاعة الخيارات الاقتصادية التي بُنيت عليها الإصلاحات الأخيرة، والتي مكّنت الدولة من استغلال امكاناتها الكبيرة بشكل أمثل، وتحويلها إلى أرقام نمو ملموسة في شتى القطاعات خاصة غير النفطية. والمؤشّر الأكثر إثارة للدهشة في تقرير صندوق النقد الدولي – يقول محدّثنا – هو تلك القفزة النوعية في الناتج المحلي الإجمالي الداخلي، وفق تعادل القدرة الشرائية، متوقّعا بلوغه 915 مليار دولار في عام 2026، ليمهد الطريق نحو تجاوز عتبة التاريخ بـ 1041 مليار دولار بحلول سنة 2029، بحسب قوله.
وتابع: «المراجعة التصاعدية التي قام بها البنك العالمي – من 3.5 بالمائة في جانفي إلى 3.7 بالمائة حاليا – بزيادة قدرها 0.2 نقطة مئوية، ليست مجرد تعديل تقني، بل هي اعتراف حقيقي بنجاعة المحركات الداخلية للاقتصاد الجزائري، ففي حين تمّ خفض توقعات نمو قوى اقتصادية مثل المملكة العربية السعودية إلى 3.1 بالمائة، وتوقّع انخفاضات متتالية في دول كالعراق والكويت وقطر، استطاعت الجزائر الحفاظ على منحى تصاعدي، لتكون ضمن الناجين في المنطقة ممّن تمّت مراجعة أرقامه نحو الأعلى. ويكمن السر وراء هذا الاستثناء في نجاح الجزائر في فكّ الارتباط المباشر بين النمو وأسعار النفط الخام في الأسواق الدولية؛ ما يعني أن القطاعات خارج المحروقات تتطور بشكل متسارع».
قطاعات واعدة حقّقت قفزات نوعية
يرى الأستاذ الرڤ أنّ الأسس الاقتصادية للجزائر الجديدة باتت أكثر صلابة بفضل دفع عجلة التنمية في قطاعات واعدة خارج المحروقات، ومنها الفلاحة والزراعات الاستراتيجية التي حقّقت قفزات نوعية عزّزت الأمن الغذائي الوطني، وولوج اقتصاد المعرفة والرقمنة، ممّا ساهم في رفع كفاءة الأداء الاقتصادي الكلي، وتنشيط الصناعات التحويلية بقيمة مضافة عالية. فضلا عن ذلك، إطلاق المشاريع المنجمية الكبرى التي تحوّلت من مشاريع خامدة ومؤجلة إلى واقع إنتاجي رافع للنمو خارج المحروقات إلى مستويات قياسية تقدّر بـ 4.8 بالمائة، مع خفض معدل التضخم إلى أقل من 2 بالمائة، والحفاظ على وتيرة نمو اسمي متوقّعة بـ 285 مليار دولار لعام 2026، وكذا ترسيخ السيادة الاقتصادية بغياب كلي للمديونية الخارجية.
ولم تتوقّف التقارير الدولية عند حدود ارتفاع النمو، مثلما أضاف محدثنا، بل أشادت بقدرة الجزائر على إدارة مواردها الطبيعية بكفاءة وفعالية لتعزيز «الحصانة المالية»، في ظل توقّع أن تساهم عائدات الصادرات في تقليص عجز الحساب الجاري بشكل لافت من 5.9 بالمائة في 2025 إلى 2.4 بالمائة فقط في 2026، ممّا يعكس استقرارا ماكرو-اقتصاديا يمنح الدولة هوامش مناورة واسعة لتمويل المشاريع الإستراتيجية الكبرى من دون اللجوء للمديونية الخارجية.
نحو مستقبل أكثر ازدهارا للجزائر
وأبرز الدكتور الحاج محمد الرق، أنّ تقارير البنك الدولي وصندوق النقد أظهرت امتلاك الجزائر لإمكانات كبيرة إقليميا ودوليا، تؤهّلها لتبوّء مكانة ريادية، على غرار الموقع الجيوغرافي الاستراتيجي الذي جعلها بوابة الاستثمارات الدولية نحو عمق افريقيا، مع غياب ديون خارجية واحتياطيات صرف مريحة، منحت الدولة استطاعة على تنفيذ استراتيجيات إنتاجية بعيدة المدى، حوّلتها لوجهة أكثر استقرارا في شمال القارة السمراء وحوض المتوسط.
وقد خلصت هذه المعطيات إلى أنّ المنحى الإيجابي الذي يسلكه الاقتصاد الجزائري ليس ظرفيا، وإنما طويل الأمد، نتيجة لثقة مؤسساتية واستثمارية في المسارات المتّخذة، مع توقع استمرار هذا الزخم حتى عام 2029 ببلوغ الناتج المحلي الإجمالي أزيد من تريليون دولار وفق معيار تعادل القدرة الشرائية، وهو ما يمهّد لدخول الجزائر لنادي الاقتصادات الناشئة العالمية التي توازن بين النمو الإنتاجي والاستقرار الاجتماعي، وفقا له.
للإشارة، أشاد البنك الدولي بوتيرة نمو الاقتصاد الجزائري، ورفع توقعات نموه إلى 3.7 بالمائة في صندوق النقد بتجاوز ناتجه الإجمالي المحلي الخام حاجز تريليون دولار في آفاق سنة 2029، وفق معيار تعادل القدرة الشّرائية «PPP». كما أبانت آخر بيانات صندوق النقد، أنّ الجزائر تحتل المرتبة الرابعة عربيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وفق تعادل القدرة الشّرائية المتوقع في سنة 2026، فيما تتواجد على المستوى الإفريقي ضمن الرباعي الأول رفقة كل من جنوب إفريقيا ونيجيريا ومصر بحوالي 915 مليار دولار، مع التكهّن بأن يفوق حاجز ألف مليار دولار في آفاق 2029.




