يواصل الكيان الصّهيوني توظيف مصطلحات تبدو تقنية لتكريس واقع ميداني جديد، معلنا عن «مناطق عازلة» و»أمنية»، بينما تكشف الوقائع أنها غطاء لتوسيع السيطرة بما يتجاوز المفاهيم القانونية المستقرّة في القانون الدولي.
تشير تقارير إلى أنّ هذه التسميات تُستخدم لإضفاء طابع مؤقّت، على إجراءات تتحول تدريجيا إلى واقع دائم يعيد رسم الحدود ويكرّس السيطرة بالقوة تحت غطاء أمني.
لا يقتصر الأمر على الخطاب، إذ يعمل الاحتلال الصّهيوني على تثبيت وقائع ميدانية، حيث تتحوّل «المناطق العازلة» من إجراء مؤقّت إلى أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا وفرض أمر واقع جديد.
وفق القانون الدولي، تُعرف المنطقة العازلة بأنها حزام مؤقّت يفصل بين قوتين دون أن يغيّر سيادة الأرض أو وضعها القانوني، مع ضمان حماية السكان وحقوقهم بموجب اتفاقيات دولية.
لكن هذه القواعد تتعرّض للتجاوز، إذ يؤدّي التدمير أو التهجير داخل هذه المناطق إلى تصنيفها جرائم دولية، وفقا لاتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي.
خــــــــــــــرق الهدنـــــــــــــة
في جنوب لبنان، نصّ اتفاق وقف إطلاق النار بعد حرب عام 2024 على انسحاب القوات الصّهيونية جنوب الخط الأزرق خلال 60 يوما، مقابل انتشار الجيش اللبناني شمال نهر الليطاني. غير أنّ قوات الاحتلال أبقت وجودها في 5 نقاط شمال الخط الأزرق في خرق واضح للاتفاق، ممتدة من غرب الناقورة إلى أطراف بلدة الخيام شرقا، ضمن شريط تصفه بأنه «استراتيجي».
تحوّلت هذه النقاط إلى حزام يمتد بعمق يصل إلى 10 كيلومترات، مؤثّرا على عشرات البلدات الجنوبية، وممهّدا لفرض منطقة عازلة فعلية رغم سريان الهدنة.
ورغم ذلك، تواصل القوات الصّهيونية تثبيت مواقعها العسكرية في مناطق حيوية، في مسعى لتحويل الشريط الحدودي إلى منطقة عازلة دائمة ترفض الانسحاب منها.
يختلف هذا النهج عن «الحزام الأمني» في ثمانينيات القرن الماضي، الذي كان محدود الأهداف، إذ تتّجه السياسات الحالية نحو إعادة تشكيل المجال الحدودي وإزالة البيئة السكانية الحاضنة. ويمتد هذا التوجه إلى البحر، حيث يفرض الكيان الصّهيوني قيودا على سواحل لبنان الجنوبية، ما يثير مخاوف من تقويض اتفاق ترسيم الحدود البحرية وتهديد الموارد الطبيعية.
توسّــــــــع إقليمــــــــي
في غزة، يتكرّر النمط ذاته عبر إنشاء منطقة عازلة وممرّات تقسم القطاع، وسط تقديرات أممية تشير إلى سيطرة عسكرية على معظم مساحته.
كما يشمل التوسّع الجولان السوري، حيث أُنشئت مواقع وتحصينات جديدة تعكس توجّها للبقاء طويل الأمد، في تجاوز واضح للحدود المعترف بها.
رغم وضوح القوانين الدولية التي تحظر التهجير والتدمير، تستمر هذه السياسات، ما يضعها في دائرة الانتهاكات الجسيمة التي تستوجب المساءلة. وبين تغير المصطلحات وثبات النتائج، تتجلّى صورة واحدة: أرض تُفرغ من سكانها، وحدود تُرسم بالنار والدمار تحت مسمّيات أمنية تخفي واقعا احتلاليا متسعا.
هذا، ويواصل الكيان الصّهيوني هجماته على لبنان ضمن خروقات الهدنة، وذلك رغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، منع الاحتلال من تنفيذ هجمات جوية على لبنان.


