التنميــــــــــــــــــــة الاقتصاديــــــة تعزيــــــــــــــزا لمســـــــــــــار التعـــــــــاون جنــــــــــــوب – جنــــــــــــوب
موازنــــــــــة دقيقـــــــــــة بــــــــــــــين الاستقـــــــــــرار الأمنــــــــــــي والنمــــــــــو الاقتصــــــــادي المندمــــــــج
تقود الجزائر نموذجا للتكامل الاقتصادي بين دول القارة الإفريقية من شأنه إعادة صياغة المقاربة التنموية لمواجهة التحديات، التي تعيق مسار استقرارها ونموّها، وفي هذا الإطار الواسع، يبرز التعاون جنوب-جنوب كخيار استراتيجي حتمي لتجاوز التبعية الاقتصادية، وبناء تكتلات إقليمية متماسكة تمتلك القدرة على الصمود أمام التقلّبات العالمية.
ضمن هذا السياق الإقليمي المعقّد، تبرز الجزائر بقيادة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، حيث تسعى لبناء قاعدة صلبة تزاوج بين متطلّبات الاستقرار الأمني وضرورات النمو الاقتصادي المندمج، متجاوزة بذلك الحلول الأمنية الظرفية والمحدودة نحو معالجة الجذور العميقة للأزمات، وتأسيس بيئة استثمارية متينة، خاصة في دول الجوار المباشر التي تمثل امتدادا طبيعيا للمصالح المشتركة.
ولم يأت هذا التوجّه الاستراتيجي من فراغ، فقد استند إلى رصيد متراكم من الثقة والمصداقية التي تحظى بها الجزائر داخل الأوساط والمؤسّسات الإفريقية، وقد تُرجمت هذه المكانة بصفة عملية من خلال تولي كفاءات جزائرية لمناصب قيادية ومفصلية، على غرار الفوز برئاسة البرلمان الإفريقي، فضلا عن الحصول على مواقع متقدّمة ضمن مفوضية الاتحاد الإفريقي، وتعكس هذه المؤشّرات المؤسّساتية بوضوح قدرة الجزائر على التموقع كدولة محورية في صناعة وتوجيه الحدث الإفريقي، وتمتلك من المقوّمات ما يؤهّلها لتنسيق الجهود القارية نحو مسارات تخدم غايات الأمن الجماعي، وتطرح بدائل واقعية قابلة للتطبيق لمعالجة الملفات العالقة.
بالإضافة إلى ذلك، ترتكز الاستراتيجية التنموية على وعي دقيق بأهمية العمق الإقليمي المتمثل في منطقة الساحل والصّحراء، وتحديدا دول النيجر وتشاد وبوركينافاسو، حيث تواجه هذه البلدان منذ عقود معوّقات تنموية تنعكس آثارها بصفة مباشرة على استقرارها الاجتماعي والسياسي، ممّا يؤثّر بدوره على حالة الأمن القومي الإقليمي ككل.
انطلاقا من هذا الواقع، أصبح إرساء التنمية هو المدخل الأساسي والفعلي لضمان الأمن المستدام، حيث أنّ القضاء على الفقر أو الحد منه وتوفير الفرص الاقتصادية للمواطنين يساهم في تقليص التوتر، لتمثل الاتفاقيات الثنائية المبرمة مؤخّرا بين الجزائر وهذه الدول إطارا لتجسيد هذا التكامل.
وفي سياق متّصل، يأخذ هذا التوجه التكاملي أبعادا تنفيذية صارمة في الجزائر، بعيدا عن الطرح النظري أو البروباغندا السياسية، وهو ما يتجلّى في مخرجات اجتماع مجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، حيث تمّ إقرار آليات عملية وواضحة لتنفيذ المشاريع الاقتصادية ضمن آجال زمنية دقيقة لتفادي التأخّر في الإنجاز.
ومن أبرز الخطوات المتخذة في هذا الصدد، تحديد مهلة زمنية تقدّر بثلاثة أشهر للانطلاق الفعلي في إنجاز مشروع استراتيجي يخص إنتاج الطاقة والكهرباء في دولة النيجر، وهذا التركيز المباشر على قطاعات البنية التحتية، التي تشمل أيضا تسيير الموارد المائية ومجالات التنقيب، ينسجم تماما مع حاجة دول الساحل إلى استغلال مواردها الطبيعية غير المكتشفة وتوظيفها اقتصاديا كرافد يحرّك عجلة الإنتاج ويستقطب اليد العاملة.
ويمتد المسار الاقتصادي ليشمل جمهورية تشاد، من خلال استهداف قطاعات صناعية وهيكلية قادرة على تعديل الميزان التجاري وتقديم إضافة ملموسة للاقتصاد المحلّي هناك.
وفي هذا الإطار، باشرت لجان تقنية متخصّصة انتقالها الميداني إلى العاصمة نجامينا لتقييم الاحتياجات وتسهيل الإجراءات التقنية والإدارية اللازمة لإطلاق مشروع بناء مصنع للإسمنت في أقرب الآجال، إلى جانب دراسة فرص الشراكة في قطاع المحروقات وتحديث شبكات الطرق، لتعكس هذه التحرّكات الميدانية المنتظمة طبيعة المقاربة الجزائرية، التي تهدف إلى تأسيس شراكات استثمارية متوازنة تلبي الطلب الداخلي في تشاد وتخفّف من فاتورة الاستيراد.
ولضمان استدامة هذه المشاريع المشتركة وتفعيل نجاعتها الاقتصادية، يتم الاستناد إلى شبكة متكاملة من المنشآت القاعدية الكبرى، التي يجري استكمالها لتكون شرايين حقيقية للاندماج الإقليمي، ويتصدّر الطريق العابر للصّحراء هذه الهياكل، باعتباره ممرّا تجاريا ولوجستيا ينهي العزلة الجغرافية لدول الساحل، وهو مسعى يتدعّم بمشاريع توسعة شبكات السّكك الحديدية نحو الولايات الحدودية الجنوبية لتسهيل نقل البضائع، ومشاريع خطوط الألياف البصرية التي تضمن الربط الرقمي لقطاع الأعمال، فضلا عن تطوير المحاور البحرية لتسهيل عمليات التصدير والاستيراد، لتوفّر هذه البنية التحتية المندمجة البيئة اللوجستية الضرورية لإنجاح المبادلات التجارية.
ويمكن التأكيد على أنّ هذه الديناميكية تؤسّس لمرحلة مفصلية وجديدة في مسار العمل الإفريقي المشترك، حيث تلتقي المصالح البينية مع الرؤية القارية الرامية إلى تحقيق الاندماج المنشود، وتسعى الجزائر في هذا الإطار من جعل التعاون جنوب-جنوب مدخلا حقيقيا للتكامل والتغلّب عن النزاعات والمشاكل الداخلية، التي تعاني منها العديد من دول القارّة خاصة دول الساحل الإفريقي.




