الرئيســــــان يترأســـــــــان دورة مجلـــــس التعـــاون الاستراتيجــــي رفيـــع المستــوى
الجولـــة ضمـــن تعزيـــز علاقـــات الأخوة والتعـــــــاون بــــــــــين البلديـــــــــن الشقيقـــــين
بلغـــــــــــة الأرقـــــــــــــام.. تحـــــــــول مهــــــــــم فـــــــــــي مستــــــــــوى التنسيـــــــــــق التجـــــــــاري
1700 مؤسســــــة تركيـــــة ناشطـــة توفــــر قرابــة 30 ألـــف منصــــب شغـــل
حل رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، أمس الأربعاء بأنقرة، في زيارة رسمية إلى تركيا الشقيقة، أين خص باستقبال رسمي من قبل أخيه رئيس جمهورية تركيا، السيد رجب طيب أردوغان، بمطار إيسنبوغا الدولي بأنقرة، وأجرى رئيس الجمهورية، بالصالون الرئاسي لمطار إيسنبوغا الدولي بأنقرة، لقاء على انفراد مع أخيه رئيس جمهورية تركيا.
وخلال هذه الزيارة، سيترأس رئيس الجمهورية، مناصفة مع أخيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أشغال الدورة الأولى لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى الجزائري-التركي، وتندرج هذه الزيارة في إطار تعزيز علاقات الأخوة والتعاون بين البلدين الشقيقين.
وتأتي زيارة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى تركيا، لتشهد انعقاد الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، حيث يشكل هذا المسار المؤسساتي إطارا عمليا لتقييم العلاقات الثنائية وتأطيرها بين البلدين، في ظل تصاعد المؤشرات الاقتصادية والتجارية وتطابق الرؤى الدبلوماسية تجاه العديد من الملفات الإقليمية والدولية.
وفي سياق متصل، تعكس لغة الأرقام تحولا مهما في مستوى التنسيق التجاري بين البلدين، حيث قفز حجم المبادلات البينية من حوالي 4 مليارات دولار في عام 2020 ليصل إلى قرابة 6.3 مليارات دولار بنهاية عام 2023، ويضع هذا النمو الجزائر في مرتبة الشريك التجاري الثاني لتركيا في إفريقيا، بينما تمثل تركيا المستورد الأول للغاز المسال الجزائري في المنطقة، وتتجه التطلعات الرسمية حاليا نحو بلوغ عتبة 10 مليارات دولار، مدعومة بمساعٍ حثيثة لتوقيع اتفاقية تجارة تفاضلية تهدف إلى خفض الحواجز الجمركية أمام المنتجات الجزائرية غير النفطية والسلع التركية، مما يسمح بموازنة الكفة التجارية ودعم الإنتاج الوطني.
الجزائر مزود استراتيجي وموثوق للسوق التركية
بالنسبة لقطاع الطاقة الذي يمثل الركيزة الأساسية لهذا المحور، تبرز الجزائر كمزود استراتيجي وموثوق للسوق التركية، ففي عام 2023، تم تجديد العقد طويل الأمد بين مجمع «سوناطراك» وشركة «بوتاش» التركية لمدة ثلاث سنوات إضافية، تلتزم بموجبه الجزائر بتوريد 4.4 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المميع سنويا. وتكتسي هذه الأرقام أهمية بالغة في حسابات الأمن القومي التركي، حيث تغطي الجزائر ما يقارب 30 بالمائة من إجمالي احتياجات تركيا من الغاز المسال، مما يجعلها المورد الأول لتركيا في هذا المجال، وهذا الربط الهيكلي التي تضمنه الجزائر يوفر لأنقرة استقرارا تموينيا بعيدا عن تقلبات الأنابيب العابرة للحدود المتوترة، ويعزز في المقابل مداخيل الجزائر من العملة الصعبة عبر عقود مضمونة ومستقرة.
بالإضافة إلى التبادل التجاري، تشهد خريطة الاستثمار التركي في الجزائر توسعا نوعيا وكميا، حيث تجاوزت القيمة الإجمالية للاستثمارات التركية المباشرة عتبة 6 مليارات دولار، موزعة على أكثر من 1٧00 مؤسسة ناشطة توفر قرابة 30 ألف منصب شغل.
وتتجه هذه الاستثمارات نحو الصناعات الثقيلة والتحويلية التي تساهم في تقليص فاتورة الاستيراد؛ فعلى سبيل المثال، يمثل مركب «توسيالي» للحديد والصلب بوهران قصة نجاح صناعية، حيث بلغت استثماراته حوالي 2.3 مليار دولار، مع قدرة إنتاجية تتجاوز 4 ملايين طن سنويا من منتجات الصلب، مما مكن الجزائر من الانتقال من الاستيراد إلى التصدير نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية. كذلك، يبرز مجمع «تايال» للنسيج بولاية غليزان كأكبر شراكة في هذا المجال بإفريقيا، باستثمار فاق 1.5 مليار دولار، مستهدفا إنتاج 44 مليون متر من القماش سنويا وتوجيه 60 بالمائة من الإنتاج نحو التصدير.
ويمتد التعاون إلى قطاع البنى التحتية والأشغال العمومية، حيث حظيت الشركات التركية بصفقات كبرى في بناء السدود، المجمعات السكنية، ومشاريع السكك الحديدية، ما يعكس الثقة في جودة الإنجاز التركية وتوافقها مع الاحتياجات التنموية الجزائرية. كما تفتح الزيارة الحالية آفاقا جديدة في قطاعات الصحة، الزراعة الصحراوية، والصناعات الدفاعية، وهي مجالات تمتلك فيها أنقرة خبرات متقدمة تتطلع الجزائر لاستقطابها عبر صيغ شراكة «رابح-رابح».
وفي الجانب السياسي، ينسجم هذا الزخم الاقتصادي على المواقف الدولية، حيث يسجل المراقبون توافقا نسبيا ولافتا أحيانا في الرؤى تجاه القضايا الجوهرية. وتتصدر القضية الفلسطينية هذا التوافق، من خلال الرفض المشترك والمطلق للانتهاكات الممارسة ضد الشعب الفلسطيني، والتمسك بضرورة إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وهذا التناغم الدبلوماسي يوفر غطاء قويا للمواقف العربية والإسلامية في المحافل الدولية.
ويبرز التقارب في المقاربات المتعلقة بالنزاعات الإقليمية، خاصة في الملف الليبي، حيث يرتكز الموقف المشترك على ضرورة احترام الشرعية الدولية ورفض التدخلات العسكرية الأجنبية والميليشيات، مع التأكيد على أن الحل الدائم لا يمكن أن يكون إلا سياسيا وبقيادة ليبية-ليبية، وتدرك الجزائر وأنقرة أن استقرار ليبيا هو مفتاح أمن منطقة الساحل والحوض المتوسطي، مما يستوجب تنسيقا أمنيا وسياسيا مستمرا لمنع تدهور الأوضاع وتمدد بؤر الفوضى، كما أن التحديات العالمية الراهنة، من اضطراب سلاسل التوريد إلى زيادة النزاعات الإقليمية، تدفع بالبلدين نحو تعزيز التنسيق الإسلامي المشترك ويهدف هذا التوجه إلى خلق جبهة قوية قادرة على الدفاع عن مصالح دول المنطقة في مواجهة الاستقطاب الدولي الحاد. فالتشاور المستمر بين القيادتين يطمح لتأسيس نموذج للتعاون «جنوب-جنوب» يجمع بين الموارد الطاقوية الجزائرية والخبرة الصناعية التركية، في تكامل استراتيجي يتجاوز الظرفية السياسية ليصبح ركيزة من ركائز الاستقرار والتنمية في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.





