تجريم الاستعمار.. الرّد الشعبي السّامي على القوى الغاشمة ^ الاعتراف والاعتذار.. شرط ضروري لقلب الصفحة.. لا تمزيقها
تحيي الجزائر غدا، الذكرى 81 لمجازر الثامن ماي الأليمة، التي بقيت شاهدا على وحشية فرنسا الاستعمارية.. تلك الأحداث الإجرامية شكّلت منعطفا مفصليا في تاريخ النضال الجزائري، فهي اليوم الذي سالت فيه دماء الحرية بغزارة لتكشف الوجه الحقيقي للاستعمار الفرنسي، وتضع قطيعة نهائية مع «النضال السياسي» السلمي، كي توقد شعلة الفكر الثوري التحرّري الذي دحر المحتل الغاشم وطهّر الأرض بدماء ملايين الشّهداء..
خرج الجزائريون في 8 ماي 1945، يحتفلون مع باقي العالم بنهاية الحرب العالمية الثانية، في مدن سطيف، قالمة، وخراطة، رافعين مطالب واضحة ومشروعة، وهي التذكير بوعود فرنسا بمنح الاستقلال للجزائر، مقابل مشاركتهم في الحرب، والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، كما تمّ خلال مظاهرات الفرح السلمية رفع العلم الوطني الجزائري لأول مرّة كتعبير عن الهوية والسّيادة، لكن غدر المستعمر الفرنسي كان حاضرا بكل وحشية ليَئِدَ الفرحة في مهدها.
جريمـــــــــــــــة شنعـــــــــــــــــــاء
رصاصة واحدة أردت الشاب بوزيد سعال، من مدينة سطيف شهيدا، بعد أن رفض إنزال الراية الوطنية، ليتوالى العنف الفرنسي ضدّ باقي المتظاهرين، وحوّل الفرحة إلى عنف وحشي لم يشهد التاريخ المعاصر له مثيلا، حيث عمد الجيش الفرنسي إلى القمع الوحشي والمكثف مستخدما الطيران، والمدفعية، والبوارج الحربية لضرب القرى والمداشر الآمنة. وارتكب جريمة الإبادة الجماعية، إذ نُفذت إعدامات ميدانية جماعية، وأحرقت جثث الشّهداء في أفران الجير لإخفاء آثار الجريمة، وفي خراطة، بلغت الوحشية ذروتها حين قذف المواطنون من أعالي الجسور، واقتحمت المنازل عنوة ونكل بالنساء والشيوخ والأطفال..
خلّفت هذه المجازر حصيلة مروّعة.. 45 ألف شهيد في أيام قليلة، عكست الحقد الدفين للمستدمر الفرنسي، فيما سجّل آلاف الجرحى والمعتقلين، وزجّ بخيرة شباب الجزائر في السجون، أين تعرّضوا لأبشع أنواع التعذيب، وتواصل العدوان الفرنسي على المدنيين أشهرا مسحت خلالها قرى بالكامل من الخارطة نتيجة القصف الجوي والبرّي والبحري.
منعـــــــــــــــــــرج حـــــــــــــاسم
كان من نتائج هذه الوحشية منقطعة النظير، أن سقط القناع عن فرنسا التي كانت تتغنّى بـ»الحرية، المساواة، والأخوّة»، وظهر وجهها البشع أمام العالم كدولة استعمارية تمارس الإبادة..
غيّرت مجازر 8 ماي مجرى تاريخ الجزائر وإفريقيا كلها، فقد تأكّد الشعب الجزائري والحركة الوطنية أنّ النضال السلمي لا يجدي نفعا مع مستعمر غادر لا يفي بالوعود، وأنّ «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة»، لتصبح الدماء التي سالت هناك وقودا للفكر الثوري، فتأسّست «المنظمة الخاصة»، لتندلع الثورة التحريرية المباركة في الفاتح نوفمبر 1954، ودامت سبع سنوات ونصف، انتهت إلى دحر المستدمر الفرنسي، وإخراجه من الأرض صاغرا، بعد استرجاع السّيادة والاستقلال الوطنيين في الخامس جويلية 1962.
يوم الذاكرة وتجريم الاستعمار
أقرّت الجزائر يوما للذاكرة في الثامن ماي من كل عام، وفاءً لتضحيات الشّهداء وصون التاريخ الوطني للأجيال الناشئة، وتمّ اعتماده في هذا اليوم من سنة 2020.
ولم تكن الجزائر، تحت قيادة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، لتفوّت جرائم فرنسا في الجزائر وهي جرائم ضدّ الإنسانية، لا تسقط بالتقادم، بل هي تذكير دائم بأنّ استقلال الجزائر لم يكن هبّة من أحد، فقد كان ثمنه قوافل من الشّهداء الذين رووا بدمائهم الطاهرة أرض الأحرار، ولقد حرص الرئيس عبد المجيد تبون على ملف الذاكرة وصونها وحمايتها، معتبرا أنّ الصلح مع فرنسا لا يكون إلا عبر تسوية هذا الملف، واعترافها بجرائمها ضدّ الشعب الجزائري طيلة فترة الاستعمار.
ولقد شدّد الرئيس على إصدار قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، الذي صادق عليه البرلمان منتصف أفريل الماضي، وهو يمثل الرغبة في الانتقال من «الذاكرة الشفوية» إلى «الاعتراف القانوني» بجرائم الاستعمار، التي امتدت على مدار 132 عاماً، ويعتبر القانون «الرّد الأسمى للشعب الجزائري»، عبر ممثليه، على مستعمر الأمس وغلاته الذين ارتكب أسلافهم في حق الأرض والشعب جرائم تشمئزّ منها الذاكرة الإنسانية، والتي ستظل لعنة تاريخية تلاحق المحتلين. وليكون وثيقة تستنير بها الشعوب القابعة تحت الاستعمار.
حفـــــــظ ذاكــــــــــرة الأجيــــــــال
يسعى القانون إلى تأطير مجازر مثل 8 ماي 1945، ومجازر 17 أكتوبر 1961 بباريس، وسياسة «الأرض المحروقة»، والتجارب النووية في الصّحراء، فالتفجيرات النووية في «رقان» و»إن إيكر» تعد من أقوى الحجج القانونية في مشروع القانون، حيث لا تزال آثار الإشعاعات تفتك بالإنسان والبيئة حتى اليوم، ويطالب القانون فرنسا بتحمّل مسؤوليتها القانونية والتقنية في تطهير المواقع وتعويض المتضرّرين. إلى جانب ملف المفقودين واسترجاع الأرشيف، فالقانون يوفّر غطاءً للمطالبة باستعادة الأرشيف الجزائري المنهوب وجماجم المقاومين التي بقي بعضها في «متحف الإنسان» بباريس لسنوات طويلة، وغيرها من الجرائم التي لا يسع هذا المقام لعدّها.
هذا، ويعتبر قانون تجريم الاستعمار جرائم فرنسا، جرائم حرب موثّقة قانونياً وليست مجرّد أحداث تاريخية عابرة، كما يهدف إلى صون الذاكرة الوطنية التي لا تقبل المساومة، وحفظ تاريخ المقاومة والجرائم الاستعمارية للأجيال القادمة، إلى جانب فرض اعتراف رسمي على فرنسا بالجرائم المرتكبة ضدّ الشعب الجزائري والاعتذار عنها، باعتبارها جرائم لا تسقط بالتقادم، وكذا ردّا على القانون الفرنسي الصادر عام 2005 الذي مجّد الاستعمار، وللرّد على استفزازات وممارسات فرنسية اعتبرتها الجزائر تأزيماً للعلاقات.
إنّ قانون تجريم الاستعمار هو صرخة حقوقية تهدف إلى وضع فرنسا أمام مسؤوليتها التاريخية، فبسبب وحشية الجرائم التي ارتُكبت، أصبح لزاماً وجود نص قانوني يمنع نسيانها ويضمن عدم تكرار روح الاستعمار في أي شكل من الأشكال. كما أنه تأكيد على أنّ المصالحة مع الماضي لا تمرّ عبر النسيان، فهذا مستحيل، والجرح إلى يومنا هذا، ما يزال غائرا.. لعلّ الاعتراف والاعتذار يكون سبيلا لقلب الصفحة، ولكن، ليس لتمزيقها..





