الجــــزائر المنتصـــــرة.. ثمــــــــــــرة مباركة لانتفاضة ماي وثورة نوفمبر
عقيدة الثورة.. درس مستخلص مـــن شــــــوارع المــــــدن الجــريحـــــــــة
يـــــوم الذاكـــــــــرة.. جــــــــــــــــــرح لا ينـدمـــــــــــل وأمانــــــــة لا تضيــــــع
تعود إلينا الذكرى الواحدة والثمانين لمجازر الثامن ماي 1945، العار الاستعماري الذي لا يزول من ذاكرة الإنسانية، ورمز الخديعة والظلم والوحشية التي لا يخلو منها أي مستعمر على مرّ التاريخ.. 81 عاما وكأنها البارحة، تحمل ذكراها كل عام رائحة الدم الذي سال غزيرا في شوارع المدن الجزائرية، وصور آلاف الشّهداء والجرحى والثكالى يئنّون تحت وقع الغدر والقمع والإبادة..
45 ألف شهيد هي حصيلة التقتيل الجماعي الوحشي، الذي مارسه الاستعمار الفرنسي بقسوة فاشية ضدّ مدنيّين عزل، خرجوا مسالمين يهتفون باستقلال الجزائر، جُرمهم الوحيد أنهم صدّقوا وعد فرنسا الاستعمارية الخائنة لكل العهود، وتشبّثوا بأمل استقلال يأتي بالتفاهم.. لكن هيهات..لقد شكّلت مجازر الثامن ماي منعطفا تاريخيا حاسما في مسيرة التحرير الوطنية، بل يمكنني القول أنها شكّلت صدمة جماعية زلزلت الأرض وزعزعت المفاهيم وشكّكت في كل الحلول، التي تم طرحها على مدى عشرات السنين، إلّا حلّ الكفاح المسلّح من أجل الحرية واستعادة الاستقلال.. تهاوت المقاربة السلمية للنضال وباتت كل الوعود كاذبة وكل الحلول واهية محفوفة بالوهم والتسويف والمصالح.. وحدهما شرف المقاومة وعقيدة القوة يحقّقان المطالب الشرعية ويفرضان التسوية الحقيقية المنصفة للقضية الجزائرية كما يريدها الشعب.. ومن هنا ولدت الثورة وانطلقت شرارتها الأولى في الفاتح نوفمبر 1954 محمّلة بغضب شديد…
في الثامن ماي 45، خرجت فرنسا الاستعمارية منتشية بالنصر الذي أحرزته في الحرب العالمية الثانية بمساهمة آلاف الجزائريين ممّن أجبروا على تلبية النداء الفرنسي الأناني المسموم، والالتحاق بحرب لا تعني لهم أي شيء… كانوا شبابا في ريعان العمر، سبّلوا أنفسهم فداءً للحرية، وغادروا عائلاتهم إلى الصفوف الأولى من المعارك الجهنمية على الحدود الأوربية، وتمّ تسخيرهم كوقود للمجهود الحربي الموجّه لدحر النازية… ومن المفارقات التي ضاعفت آلام الجزائريين أنّ منهم من عاد سالما إلى أهله فوجدهم قد استشهدوا برصاص البوليس الفرنسي في المدن الجزائرية، أو نُكل بهم وتمّ الزّج بهم في السجون والمحتشدات ودُمّرت مساكنهم، بعد أن أُبيدت كل مظاهر الحياة في الكثير من القرى والمداشر.. فكان الطغيان جزاءً للإحسان، وتحوّل الوعد إلى وعيد..
حقيقة، تشكّل مجازر الثامن ماي 45 مرحلة مفصلية من تاريخنا، فمنها انتهى عهد بائد وانتهت معه صلاحية النضال السياسي والتنظير الفكري والجدال الطويل، من أجل مكاسب محدودة، وبدأ عهد جديد شعاره ما أُخذ بالقوة لا يُسترّد إلا بالقوة، وانطلق معه منتوج ثوري شعبي خالص لا ينتهي إلا بمكاسب عظيمة غير محدودة في الزمن، لا تزال الجزائر تحصد ثماره المباركة إلى اليوم…
لقد بدأ التحضير الفعلي للعمل المسلّح منذ عام 1947، ولم تكن المنظمة الخاصة بقيادة محمد بلوزداد وأحمد بن بلة وحسين آيت أحمد ومصطفى بن بولعيد، إلا تحضيرا للثورة التحريرية الكبرى… فقد كان قرار التأسيس واعيا وشجاعا، وحتى بعد اكتشاف أمرها عام 1950 من طرف الإدارة الاستعمارية، أصرّ مصطفى بن بولعيد على عدم حلّها في المنطقة التاريخية الأولى الأوراس، من أجل أن يبقى خيار الكفاح المسلّح قائما ولا ينزوي مجدّدا خلف الوعود والمكاسب المحدودة والتنظير السياسي العقيم…
يمكنني القول أنّ انتفاضة الثامن 45 هي البداية الحقيقية لثورة الفاتح نوفمبر 54، فهما رقمان متماثلان، وحدثان مترابطان في ذاكرة التاريخ، فقد غيّرا معا مجرى هذا التاريخ وفضحا الانتهاكات الفظيعة لفرنسا الاستعمارية أمام أنظار العالم، وأجبرا إدارتها على الجلوس كرهًا على طاولة المفاوضات لتذعن قسرا للعهد الذي نكثته..
إنّ إعلان ذكرى 08 ماي 45 يوما وطنيا للذاكرة يحمل الكثير من المعاني، فالشعب الجزائري لن ينسى تلك الإبادة الجماعية الفظيعة، فهي جرح لم يندمل.. سيبقى مفتوحا ليذكّرنا بالتضحيات والبطولات والانتصارات والملاحم، التي صنعت الجزائر الحرّة المستقلة، وأتاحت للأجيال الجديدة العيش الكريم في كنف الكرامة والسّيادة والأمان.. فقد كانت سنوات الاستعمار عصيبة وقاسية ومريرة… وحين يقرأ الجيل الجديد رسائل الذاكرة بمآسيها وانتصاراتها يستشعر عِظم الأمانة التي وضعها الشّهداء بين يديه.. فالجيل الجديد لم يعرف الاستعمار الذي يتلذّذ بالقتل والخراب، لكنه أدرك أذنابه من الكولونياليين الجدد، الذين يتلذّذون بالدسائس، وعلى خطى أسلافهم من منظمة الجيش السري، تُربكهم سيادة الجزائر..
81 عاما تمرّ على الإبادة الجماعية في المدن الجزائرية الجريحة، نحيي ذكراها في الجزائر النوفمبرية المنتصرة بقيادة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، والتي أراها كمجاهد من الرعيل الأول، أراها ثمرة مباركة من ثمار انتفاضة 45 وثورة 54، فهي الدولة المهيبة التي أرادها الشّهداء والمجاهدون وهانت دونها الدماء والأرواح، ونهضتها هي الغاية التي تطلّعنا إليها وشهدنا إنجازاتها العظيمة بفضل أبنائها الوطنيين المخلصين، الذين نفّذوا وصية الشّهداء «اتهلاو في الجزائر».. عزاءنا في ملايين الشّهداء الذين ارتقوا في ساحات الشرف أنّ كفاحهم لم يذهب هدرا..
تحيا الجزائر
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار





