الاستثمــــارات التركيــــة بالجزائــــر ركـــــيزة في مســــار تنويــــع الاقتـــصاد الوطنــــي
شكّلت زيارة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون إلى تركيا محطة بارزة في مسار العلاقات الجزائرية-التركية، بالنظر إلى النتائج السياسية والاقتصادية التي أسفرت عنها، وكذا طبيعة الرسائل التي حملتها في ظل الظرف الإقليمي والدولي الراهن، فالزيارة عكست توجها واضحا لدى البلدين نحو توسيع مجالات التعاون وبناء شراكة أكثر عمقا..
الاستثمــــارات التركيــــة بالجزائــــر ركـــــيزة في مســــار تنويــــع الاقتـــصاد الوطنــــي
وشهدت الزيارة عقد أول اجتماع لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى” بين الجزائر وتركيا، برئاسة مشتركة بين الرئيس عبد المجيد تبون ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، وهي خطوة اعتبرها متابعون مؤشرا على انتقال العلاقات الثنائية إلى مرحلة أكثر تنظيما ومأسسة، تقوم على التشاور الدائم ومتابعة الملفات المشتركة بشكل مستمر، بما يسمح بإعطاء العلاقات الثنائية طابعا أكثر استقرارا وفعالية.
وقال أستاذ بالمركز الجامعي إيليزي، الباحث في القانون والعلاقات الدولية، الدكتور يعقوب بن ساحة، إن ما شهدته الزيارة يؤكد وجود إرادة سياسية حقيقية لدى الجزائر وتركيا للدفع بالعلاقات الثنائية نحو مستويات أعلى من التنسيق والتكامل، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي يشهدها العالم، وأوضح أن إنشاء مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، يعكس رغبة الطرفين في بناء إطار مؤسساتي دائم يسمح بمتابعة تنفيذ الاتفاقيات وتطوير التعاون في مختلف المجالات، بدل الاكتفاء باللقاءات الظرفية أو التعاون المحدود، مشيرا إلى أن العلاقات الجزائرية التركية أصبحت اليوم تتجاوز الطابع التقليدي نحو بناء شراكة استراتيجية بعيدة المدى.
وأشار الدكتور بن ساحة إلى أن الجانب الاقتصادي كان حاضرا بقوة خلال الزيارة، خاصة مع تأكيد الطرفين على رفع حجم المبادلات التجارية خلال السنوات المقبلة، في ظل وجود استثمارات تركية معتبرة بالجزائر، لاسيما في قطاعات الصناعة والنسيج والحديد والبناء والأشغال العمومية، وأضاف أن الاتفاقيات الموقعة قد تمنح دفعا جديدا للاستثمارات المشتركة، خصوصا في المجالات المرتبطة بالتصنيع والبنية التحتية والطاقة، وهو ما ينسجم مع توجه الجزائر نحو تنويع اقتصادها واستقطاب استثمارات قادرة على خلق القيمة المضافة ونقل الخبرة والتكنولوجيا، بدل الاقتصار على المبادلات التجارية التقليدية.
ولفت محدثنا إلى أن الجزائر تسعى إلى تعزيز مكانتها الاقتصادية الإقليمية من خلال تشجيع الاستثمارات الأجنبية المنتجة، وفتح المجال أمام شراكات صناعية قادرة على خلق مناصب شغل ودعم الإنتاج المحلي، وهو ما يجعل من التجربة التركية في مجالات الصناعة والبنية التحتية محل اهتمام بالنسبة للجزائر.
ومن جهة أخرى – يقول بن ساحة – حملت الزيارة أبعادا سياسية واضحة، من خلال تبادل وجهات النظر حول عدد من الملفات الإقليمية والدولية، خاصة تطورات الأوضاع في فلسطين وليبيا ومنطقة الساحل، حيث أكد الجانبان أهمية الحلول السياسية والحوار في معالجة الأزمات الإقليمية، ورفض التدخلات التي من شأنها تعقيد الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة.
ويرى بن ساحة أن التقارب الجزائري التركي يعكس توجها مشتركا نحو تعزيز التنسيق بين الدول المتوسطة الصاعدة، في ظل عالم يشهد تحولات متسارعة وإعادة تشكيل لموازين القوى الدولية، وهو ما يدفع البلدين إلى توسيع هامش تعاونهما السياسي والاقتصادي بما يخدم مصالحهما المشتركة ويمنحهما قدرة أكبر على التأثير داخل محيطهما الإقليمي.
كما تعكس الزيارة حرص الجزائر على تنويع شراكاتها الاقتصادية والدبلوماسية، والانفتاح على تجارب إقليمية تمتلك حضورا اقتصاديا وصناعيا متقدما، في وقت تسعى فيه تركيا إلى تعزيز وجودها الاقتصادي داخل القارة الإفريقية انطلاقا من الجزائر، باعتبارها شريكا محوريا في المنطقة وبوابة مهمة نحو الأسواق الإفريقية.
ولا تقتصر أهمية الزيارة على الاتفاقيات الموقعة، فهي تمتد إلى طبيعة الديناميكية السياسية التي أفرزتها، خاصة مع الحديث عن توسيع التعاون في مجالات جديدة مرتبطة بالطاقات المتجددة والصناعات التحويلية والنقل والخدمات اللوجستية، وهي قطاعات تراهن عليها الجزائر في إطار مساعيها لتنويع الاقتصاد الوطني وتقليص التبعية للمحروقات.
وتؤكد نتائج الزيارة أن العلاقات الجزائرية التركية تتجه نحو مرحلة أكثر ديناميكية وعمقا، خاصة مع تعدد مجالات التعاون واتساع دائرة التنسيق السياسي والاقتصادي، ما يمنح البلدين فرصا أكبر لتعزيز حضورهما الإقليمي والدولي خلال المرحلة المقبلة، في ظل عالم أصبح يقوم بشكل متزايد على الشراكات الاقتصادية المرنة والمصالح الاستراتيجية المشتركة.

