يومية الشعب الجزائرية
الأحد, 10 مايو 2026
  • الأولى
  • الحدث
    • الوطني
    • المحلي
    • الرياضي
    • المجتمع
    • مؤشرات
    • الثقافي
    • الدولي
  • الملفات الأسبوعية
    • الشعب الدبلوماسي
    • الشعب الإقتصادي
    • الشعب الرياضي
    • الشعب المحلي
    • الشعب الثقافي
    • ملفات خاصة
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
    • مساهمات
    • حوارات
    • إستطلاعات وتحقيقات
  • صفحات خاصة
    • إسلاميات
    • صحة
    • ندوات
    • تاريخ
    • القوة الناعمة
    • فوانيس
    • علوم وتكنولوجيا
    • صوت الأسير
  • النسخة الورقية
    • أعداد خاصة
  • أرشيف
لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
  • الأولى
  • الحدث
    • الوطني
    • المحلي
    • الرياضي
    • المجتمع
    • مؤشرات
    • الثقافي
    • الدولي
  • الملفات الأسبوعية
    • الشعب الدبلوماسي
    • الشعب الإقتصادي
    • الشعب الرياضي
    • الشعب المحلي
    • الشعب الثقافي
    • ملفات خاصة
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
    • مساهمات
    • حوارات
    • إستطلاعات وتحقيقات
  • صفحات خاصة
    • إسلاميات
    • صحة
    • ندوات
    • تاريخ
    • القوة الناعمة
    • فوانيس
    • علوم وتكنولوجيا
    • صوت الأسير
  • النسخة الورقية
    • أعداد خاصة
  • أرشيف
لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
يومية الشعب الجزائرية
لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
الرئيسية أعمدة ومقالات مساهمات

بــين أنسنـــة التقانـــة وتغـــوّل الخوارزميــــات

الذكاء الاصطناعي يضبط «العقد الاجتماعي»!

محمد لعرابي
السبت, 9 ماي 2026
, مساهمات
0
الذكاء الاصطناعي يضبط «العقد الاجتماعي»!
مشاركة على فيسبوكمشاركة على تويتر

تشهد العلاقة العضوية بين البنية المجتمعية والمنظومة التقنية مخاضاً جذرياً يمكن وصفه بمرحلة «إعادة الضبط» الفلسفية والوظيفية، فبعد عقود طغى فيها المنطق الرأسمالي التقني الذي حصر جدوى الذكاء الاصطناعي في مربعات الربحية المادية ومعدلات الإنتاجية الجافة، تبرز اليوم سردية بديلة تعيد تعريف التقنية كرافعة لـ»التقدم الشامل»، في تحول يتجاوز التحديث البرمجي ليدخل في صلب العقد الاجتماعي، بعد أن صارت الخوارزميات شريكاً في صياغة مفهوم الرفاه العام والعدالة في توزيع الفرص والخدمات.

​على المستوى الهيكلي، يمثل هذا التحول إعادة صياغة شاملة للوظائف الحيوية التي يقوم عليها المجتمع المعاصر، ما ينقل الذكاء الاصطناعي من الهامش الإداري إلى قلب العمليات السيادية، ففي قطاع الرعاية الصحية – على سبيل المثال – لم يعد الابتكار يقتصر على التشخيص الرقمي، إنما امتد ليشمل أنسنة الممارسة الطبية عبر تحرير الكوادر البشرية من الأعباء البيروقراطية، وإعادة الاعتبار للوقت كقيمة إنسانية، وقد يكون واضحا أن هذا الانتقال يعكس توجهاً استراتيجياً يرى في التكنولوجيا وسيلة لترميم الفجوات الخدمية، وضمان وصول جودة الحياة إلى شرائح مجتمعية كانت خارج حسابات «الكفاءة» في صورتها القديمة.
​أما في الأبعاد الأمنية والبيئية، فقد صار الذكاء الاصطناعي خط الدفاع الأول، والضمانة الأساسية لاستدامة المجتمعات أمام التهديدات غير التقليدية، بداية من حماية الخصوصية الرقمية والأمن القومي في فضاء سيبراني معقد، إلى تسريع الحلول الصديقة للبيئة وتقليل البصمة الكربونية للصناعات الكبرى، ويظهر التقدم التقني اليوم كضرورة وجودية لا محيد عنها.
إن هذا الرهان الجديد يضع التكنولوجيا في مواجهة مباشرة مع تحديات المعيشة، ويفرض عليها التحوّل من محرك للنمو الاقتصادي المجرد، إلى درع يحمي التوازنات الحيوية التي تضمن استمرار التقدم «من أجل الجميع».
استخلاص الوجود الإنساني من براثن الإدارة
تُعد استعادة «الزمن» الفرضية المركزية والمحرك الأساسي في فلسفة التحول الرقمي الحديث، فالهدف لم يعد يتوقف عند تسريع العمليات وربح الوقت، إنما تجاوز إلى إعادة تعريف قيمة الوقت في السياق المهني والإنساني، ففي القطاعات الحساسة كالصحة، أصبح الزمن معياراً حيوياً يفصل بين النجاعة والقصور؛ فعندما تشير البيانات الميدانية إلى أن الكوادر الطبية تستهلك أكثر من نصف طاقة عملها اليومي في دهاليز المهام الإدارية والرقمنة اليدوية، فإننا نكون أمام «استنزاف قسري» للمورد البشري الأثمن.
​من هذا المنطلق، لا تُطرح الأتمتة والذكاء الاصطناعي كحلول تقنية باردة، أو أدوات لتحسين التدفقات المكتبية، فهي تبرز بوصفها فعلاً «تحريرياً» بامتياز.. إنها محاولة لفك ارتهان العقل البشري المبدع من القوالب الروتينية الجافة، حيث تتدخل الخوارزمية لتولي عبء التكرار والنمذجة البيروقراطية، مانحةً الإنسان فرصة الانعتاق من دور «الآلة البشرية» للعودة إلى جوهر تخصصاته القائمة على التحليل الاستراتيجي والحدس المعرفي.
​إن نظرة فاحصة إلى هذا الواقع، ستخلص دون شك إلى أن الذكاء الاصطناعي يعمل فعلياً على إعادة صياغة مفهوم «العمل الجوهري»، فمن خلال تفويض المهام الهامشية والمتكررة للآلة، يُفترض نظرياً أن تُخلق مساحة شاغرة للإنسان لاستعادة ملكاته الفطرية من «فكر تأملي» و»عاطفة تفاعلية»، ولو حللنا مهام الطبيب – مثلا – فإننا سنجد أن التحويل يعني تخليص الطبيب من إدخال البيانات ومنحه مساحة واسعة كي يتولى مهام المُرافق الإنساني الذي ينصت لمريضه، ما يعيد للخدمة العمومية وجهها الأخلاقي الذي طمسته البيروقراطية لعقود طويلة.
لكن، لا ينبغي أن يفوتنا بأن هذا التفاؤل التقني قد يصطدم بتحدي «الفراغ الزمني» المسترد؛ فالسؤال الملحّ هنا يتعلق بكيفية استغلال المجتمع للفائض الزمني.. هل سيُستثمر الوقت في تعميق الرعاية الإنسانية ورفع جودة التواصل الاجتماعي والمهني، أم أن المنطق الإنتاجي المتوحش سيعتبر هذا الفراغ فرصة لمضاعفة الأرباح؟
إن الخوف يكمن في أن يتحول «الزمن المحرر» إلى فخ جديد، يُطالب فيه الإنسان بإنجاز مهمّات أكبر في الحيز الزمني الذي منحته له الآلة.
​ويظل التساؤل قائماً حول مآلات العقد الجديد بين الإنسان والآلة.. هل سنشهد حقاً ولادة عصر «الأنسنة التقنية» حيث تخدم الخوارزمية راحة البشر وسكينتهم؟ أم أننا بصدد الانزلاق نحو قوالب إنتاجية أكثر ضغطاً وصرامة، تُقاس فيها كفاءة الإنسان بقدرته على ملاحقة سرعة الآلة؟
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في براعة الخوارزمية في اختصار الوقت، ولا في نمو قدراتها المفتوح على الممكن.. الرهان اليوم على إرادة المجتمعات من أجل توجيه الفائض الزمني نحو جودة الحياة، وليس نحو آليات الاستهلاك المادي وحده.
سيادة «الخوارزمية الصامتة»: جودة الحياة كأثر غير محسوس
يمر الذكاء الاصطناعي اليوم بتحول سوسيولوجي وتقني عميق، فهو ينتقل من كونه «أداة واعية» يدرك الفرد استخدامه لها ويتفاعل معها بشكل مباشر، إلى مرحلة «البنية التحتية غير المرئية»، ما يعني أن الخوارزمية أصبحت نسيجاً خفياً يمتد في عمق الخدمات الحيوية، لتعمل خلف الكواليس كقوة محركة صامتة تدير تفاصيل معقدة دون أن تترك أثراً بصرياً أو إجرائياً يشير إلى وجودها، بعد أن كانت واجهة برمجية نلجأ إليها عند الطلب.
​في مجالات حساسة مثل كشف التلوث الميكروبي في سلاسل الغذاء أو تحسين اللوجستيات الطبية، يعمل الذكاء الاصطناعي في «منطقة الظل» التقنية، وهي منطقة لا يشعر بها المواطن العادي، كما لا يشعر بوجود عمليات المعالجة المعقدة التي تحدث لتأمين وجبته أو دوائه، فهو يستفيد بشكل مباشر من نتائجها النهائية التي تتبدى في صورة أمن غذائي مرتفع، وتشخيص طبي فائق السرعة، وحماية سيبرانية استباقية، فالتقنية تحقق أقصى درجات التأثير عبر الحد الأدنى من الحضور الظاهر، مما يمنح الحياة اليومية سلاسة لم تكن معهودة من قبل.
​إن «الاختفاء الخوارزمي» يمثل، من منظور هندسي، قمة النجاعة التقنية؛ حيث تندمج التكنولوجيا في نسيج الحياة اليومية دون إزعاج أو حاجة لتدخل بشري مستمر، فعندما تتحول التقنية إلى بنية تحتية تشبه الكهرباء أو شبكات المياه، فإنها تفقد طابعها كأداة «غريبة» لتصبح جزءاً من الطبيعة الجديدة للواقع المعيش المعاصر، ويقلل هذا الاندماج الكامل من «المقاومة النفسية» تجاه التكنولوجيا، كما يجعل الاستفادة منها عملية تلقائية وشاملة لجميع فئات المجتمع، بغض النظر عن مستواهم التقني.
​ومع ذلك، فإن هذا التحول سلاح ذو حدين يثير قلق الفلاسفة والحقوقيين على حد سواء، فمن جهة، يغري هذا الاختفاء بالثقة المطلقة في النظام، ولكنه – من جهة أخرى – يفتح ثغرات واسعة تتعلق بمفاهيم «الشفافية» و»المساءلة».
عندما تصبح الخوارزمية غير مرئية، يغدو من الصعب تتبع مسار القرار أو فهم المنطق الذي استندت إليه الآلة في إصدار حكم معين، ما يحول «الصندوق الأسود» التقني إلى سلطة خفية تمتلك حق تقرير المصير في قضايا جوهرية دون رقابة مجتمعية واضحة.
​إن المعضلة الحقيقية تتضح عندما تصبح القرارات الحيوية، سواء كانت صحية تتعلق بحياة الأفراد أو أمنية تمس استقرار المجتمعات، نتاج معالجات خوارزمية صامتة يتقلص فيها دور الرقابة البشرية المباشرة، فغياب العين البشرية الراصدة داخل العملية التقنية، يخلق نوعاً من «الاغتراب عن القرار»؛ ونجد أنفسنا أمام نتائج نهائية لا نملك حق نقضها أو حتى فهم مقدماتها، وعلى هذا، يمون الرهان القادم – حصرا – على قدرتنا الابتكارية في استخلاص آليات «رؤية» جديدة تضمن بقاء الإنسان في قلب الدائرة الأخلاقية، حتى وإن توارت التقنية خلف ستار الكفاءة الصامتة.
تسريع الابتكار: الفجـوة بـين «النمذجـة» و»الواقــع المــادي»
تُمثل القدرة الفائقة على تسريع وتيرة البحث العلمي، لا سيما في الميادين المعقدة مثل الكيمياء الحيوية والفيزياء الكمية، قفزة نوعية غير مسبوقة في تاريخ المعرفة البشرية، ونحن هنا لا نتحدث عن تحسين في الأدوات، لأن المسألة متعلقة بتحوّل جذري في «منهجية العلم» ذاتها؛ خاصة بعد أن صارت الخوارزميات قادرة على محاكاة احتمالات جزيئية وفيزيائية كانت تتطلب في السابق أجيالاً من الباحثين في المخابر.
إن تقليص سنوات البحث الطويلة إلى ساعات معدودة من النمذجة الرياضية المكثفة يفتح آفاقاً كانت تُعتبر – إلى وقت قريب – من قبيل الخيال العلمي.
​هذا التحول العميق يتجاوز فكرة «ربح الوقت» المجرّدة ليصل إلى تغيير جوهري في طبيعة «فعل الاكتشاف» نفسه. فالاكتشاف العلمي لم يعد نتاجاً للمصادفة أو للتراكم البطيء للملاحظات الحسية وحدها، بل أصبح نتاجاً لـ «الذكاء التنبؤي» الذي يستطيع مسح مليارات البيانات في ثوانٍ لاستنباط حلول مثالية. في هذا السياق، تتحول البيئة الرقمية إلى مختبر كوني افتراضي، حيث تُصاغ النظريات وتُختبر الجزيئات وتُحل المعادلات الكمية المعقدة قبل أن تلمس يدا الباحث أنبوب اختبار واحداً، مما يجعل «النموذج» يسبق «الواقع» في الترتيب المعرفي.
​ومع ذلك، يقودنا التحليل النقدي لهذا الانفجار المعرفي السريع إلى رصد بوادر «فجوة إبستمولوجية» (معرفية) مقلقة. فالتسريع المفرط قد يؤدي إلى تآكل مفهوم «الخبرة المادية» التي كانت تُصقل عبر الزمن؛ فالعلم تاريخياً لم يكن مجرد الوصول إلى النتيجة، بل كان يكمن في «الرحلة» المخبرية التي ترافقها الأخطاء والملاحظات الجانبية والحدس البشري. إن الاعتماد الكلي على التنبؤ الآلي قد يحول العلماء من «مستكشفين» يدركون كنه المادة، إلى «مراقبين» يثقون في مخرجات نظام لا يدركون بالضرورة كل تفاعلاته الداخلية.
​إن الرهان على الذكاء الاصطناعي في ابتكار جزيئات علاجية جديدة أو حلول طاقوية ثورية يحمل مخاطر تهميش دور «التجربة المادية» الطويلة. فالمحاكاة الافتراضية، مهما بلغت دقتها، قد تعجز عن رصد التفاعلات الحيوية المعقدة أو الآثار الجانبية طويلة الأمد التي لا تظهر إلا من خلال الاحتكاك المباشر مع الواقع الفيزيائي والبيولوجي. هذه الفجوة بين «الكمال الافتراضي» و»تعقيد الواقع» قد تجعلنا نتبنى حلولاً تبدو مثالية رقمياً، لكنها قد تنطوي على ثغرات معرفية لم تختبرها التجربة البشرية الحية بما يكفي.
​ختاماً، يكمن الرهان الحقيقي لمستقبل العلم في إيجاد توازن دقيق ومقدس بين سرعة المحاكاة الافتراضية وصرامة الاختبار الواقعي. لا يمكن للعلم أن يتخلى عن القوة الخارقة للنماذج الرياضية، لكنه في المقابل لا يجوز أن يفرط في «الأمان المعرفي» الذي توفره التجربة الحسية والزمن الكافي للملاحظة. إن الهدف الأسمى هو ضمان ألا تتحول هذه الحلول السريعة، التي ننتجها بضغطة زر، إلى مخاطر غير متوقعة أو أزمات مستعصية على المدى البعيد، مما يستوجب بقاء «الوعي النقدي البشري» رقيباً أولاً على سرعة الآلة.
السيــادة التقنيــة كضـــرورة أخلاقيـــة وقوميــــة
لا يمكن بحال من الأحوال فصل التطور التقني المتسارع عن السياق الجيوسياسي المحتدم الذي يشهده العالم المعاصر؛ إذ لم تعد التكنولوجيا مجرد أدوات للرفاهية، بل أصبحت ركيزة أساسية في موازين القوى الدولية. إن السعي نحو بناء منظومات وطنية متكاملة للذكاء الاصطناعي — كما يتجلى بوضوح في النموذج الفرنسي والعديد من القوى الإقليمية الصاعدة — يمثل في جوهره محاولة استراتيجية للخروج من «عباءة التبعية» الرقمية للنماذج اللغوية والتقنية الكبرى العابرة للقارات، والتي تسيطر عليها أقطاب تكنولوجية محددة تفرض أجنداتها وقيمها الخاصة.​ تتجاوز هذه المحاولات البعد الاقتصادي الصرف لتلامس مفهوم «السيادة الرقمية» بمفهومها الشامل؛ فبناء نماذج ذكاء اصطناعي «محلية» يعني القدرة على التحكم في تدفق البيانات القومية وحمايتها من الاختراق أو الاستغلال الخارجي. إن الاستقلال التقني يمنح الدول القدرة على تطوير حلول تتماشى مع احتياجاتها الأمنية والإدارية دون الارتهان لخوارزميات قد تحمل انحيازات برمجية أو سياسية تخدم مصادر إنتاجها الأصلية، مما يجعل السيادة على البيانات والمعالجات التقنية ضرورة ملحة لحماية القرار السيادي في المستقبل.
​وتتمثل القيمة المضافة الجوهرية في هذا المسار الاستقلالي في ربط الابتكار التقني بالقيم المحلية والخصوصية الثقافية واللغوية لكل مجتمع. فالذكاء الاصطناعي ليس «محايداً» كما يُشاع، بل هو مرآة للبيانات التي يتغذى عليها؛ ومن هنا تبرز أهمية تطوير نماذج تفهم الفوارق الثقافية الدقيقة، وتحترم الخصوصية الأخلاقية للمجتمع، وتعزز الهوية الوطنية بدلاً من تذويبها في قوالب تقنية موحدة تُفرض من الخارج. إن توطين التكنولوجيا هو، في نهاية المطاف، فعل حماية للتنوع الثقافي العالمي في وجه العولمة الرقمية الكاسحة.
​ومع ذلك، يبرز وجه نقدي ضروري يحذر من الوقوع في فخ «مركزية التكنولوجيا» كغاية في حد ذاتها. فالتفوق الكمي في عدد الشركات الناشئة، أو الزخم في خلق الوظائف التقنية المتخصصة، لا يترجم بالضرورة إلى تحقيق «رفاه اجتماعي» ملموس وشامل. إن الاكتفاء بالنمو التقني المجرد دون رؤية اجتماعية قد يؤدي إلى خلق «جزر معزولة» من الازدهار الرقمي لا يستفيد منها سوى النخب التقنية والمالية، مما يجعل من المهمة الأساسية للدولة هي ضمان أن تكون الثورة التقنية خادمة للمجتمع بأسره لا لقطاع منه.
​لذا، فإن التحدي الحقيقي يكمن في صياغة تشريعات صارمة وأطر تنظيمية عادلة تضمن توزيع ثمار هذا الذكاء الاصطناعي بشكل ديمقراطي وعادل. إن الهدف الأسمى هو منع تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لتعميق الفوارق الطبقية أو خلق فجوات معرفية واقتصادية جديدة بين «من يملكون» مفاتيح التكنولوجيا ويديرون خوارزمياتها، وبين «من يخضعون» لقراراتها الصامتة. إن العدالة التقنية هي الحصن الوحيد الذي يضمن ألا يصبح التطور التكنولوجي وسيلة جديدة للهيمنة، بل أداة حقيقية للتحرر والارتقاء الإنساني الجماعي.
مفارقـــة البيئـــة والنمـــو الرقمــــي
في الوقت الذي يُروَّج فيه للذكاء الاصطناعي كأداة ثورية لتعزيز الانتقال البيئي وتقليل الانبعاثات الكربونية، يغفل الخطاب الترويجي السائد غالباً الجانب المظلم لهذا التطور، والمتمثل في «الجوع الطاقوي» الهائل الذي تتطلبه البنية التحتية لهذه التقنية. إن مراكز البيانات العملاقة التي تحتضن الخوارزميات المعقدة وتُجري مليارات العمليات الحسابية في الثانية، تستهلك كميات فلكية من الكهرباء، ليس فقط لتشغيل الخوادم، بل لإدارة أنظمة التبريد الضخمة التي تمنع احتراقها. هذا التناقض يضعنا أمام مفارقة بيئية مقلقة؛ حيث قد تساهم التقنية في خفض الكربون في قطاع ما، بينما ترفعه بشكل حاد في قطاع تكنولوجيا المعلومات.
​لذا، فإن الاستخدام الذي يمكن وصفه بحق بأنه «ذكي» للذكاء الاصطناعي هو ذلك الذي ينجح في إرساء معادلة توازن دقيقة بين الفوائد المرجوة في تحسين استهلاك الطاقة وبين البصمة الكربونية الذاتية التي يخلفها تشغيل تلك الخوارزميات. لا يمكننا اعتبار الخوارزمية «خضراء» لمجرد أنها تحسن مسارات النقل أو تقلل هدر الطاقة في المصانع، إذا كان تدريب ذلك النموذج وتطويره قد تسبب في انبعاثات كربونية تعادل ما تنتجه مدن كاملة. إن مفهوم «كفاءة الذكاء الاصطناعي» يجب أن يمتد ليشمل «الكفاءة الطاقوية للبرمجة» (Green Coding)، بحيث تُصمم الخوارزميات لتكون أقل استهلاكاً للموارد الحسابية منذ لحظة ابتكارها الأولى.
​إن النجاح الحقيقي لأي منظومة تقنية تدعي الاستدامة يكمن في قدرتها على تقديم حلول كوكبية حقيقية دون أن تتحول هي نفسها إلى جزء من المشكلة البيئية التي تحاول حلها. فالرهان المستقبلي لا ينحصر في قوة المعالجة، بل في مدى «نظافة» هذه القوة؛ وهو ما يستوجب الانتقال نحو مراكز بيانات تعمل كلياً بالطاقة المتجددة وابتكار معالجات صلبة (Hardware) أكثر توفيراً للطاقة. إن الاستدامة التقنية ليست مجرد «وسم» تسويقي، بل هي التزام أخلاقي وهندسي يضمن أن تكون أدوات المستقبل حامية للكوكب لا عبئاً ثقيلاً على توازناته الهشة.

المقال السابق

العدد 20075

المقال التالي

الذّكـاء الاصطناعـي.. محاكـاة الوعـي البشـري!

الشعب

الشعب

ذات صلة مقالات

الذّكـاء الاصطناعـي.. محاكـاة الوعـي البشـري!
مساهمات

الحوسبـــة الرّمزيـــة تعيــــد صياغـــة العلاقــة بـــين الإنســـان والآلـــة

الذّكـاء الاصطناعـي.. محاكـاة الوعـي البشـري!

9 ماي 2026
يا المنفـي.. نشيـد الوجـدان الخالــد
مساهمات

كلماتها وألحانها تفجر الدمع.. قولوا لُـمّي ما تبكيش..

يا المنفـي.. نشيـد الوجـدان الخالــد

8 ماي 2026
الذكاء الاصطناعي.. «تطهير الأذهان» أم «صناعة القطعان»؟!
مساهمات

اعتماد فلسفة «الاستبدال» بديلا لـفلسفة «التكامل» خطر محدق

الذكاء الاصطناعي.. «تطهير الأذهان» أم «صناعة القطعان»؟!

6 ماي 2026
مساهمات

​ الزراعة الكهروضوئية.. مقاربة هيكلية لتحقيق الأمن الغذائي والطاقوي

5 ماي 2026
جيــــل أنترنيــــت الســـادس.. طمـــــــــــــــــوح الابتكـــــــــار  وهواجـــــس السيــــادة
مساهمات

الاشتغـــال عليــــه بـــدأ هـــذا العــــام وينتظــــر الاكتمـــال فــــي 2030

جيــــل أنترنيــــت الســـادس.. طمـــــــــــــــــوح الابتكـــــــــار وهواجـــــس السيــــادة

4 ماي 2026
المقاطع القصـــــيرة تهـــــدّد “عــــــــــــــــرش” التلفزيـــــــــــــون
مساهمات

في ملتقــــى حــــول حريّــــة الصّحافــــة في البيئــــــة الرّقميـــــــة.. خــــــــــبراء:

المقاطع القصـــــيرة تهـــــدّد “عــــــــــــــــرش” التلفزيـــــــــــــون

4 ماي 2026
المقال التالي
الذّكـاء الاصطناعـي.. محاكـاة الوعـي البشـري!

الذّكـاء الاصطناعـي.. محاكـاة الوعـي البشـري!

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • الأولى
  • الحدث
  • الملفات الأسبوعية
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
  • صفحات خاصة
  • النسخة الورقية
  • أرشيف
023.46.91.87

جريدة الشعب 2025

لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
  • الأولى
  • الحدث
    • الوطني
    • المحلي
    • الرياضي
    • المجتمع
    • مؤشرات
    • الثقافي
    • الدولي
  • الملفات الأسبوعية
    • الشعب الدبلوماسي
    • الشعب الإقتصادي
    • الشعب الرياضي
    • الشعب المحلي
    • الشعب الثقافي
    • ملفات خاصة
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
    • مساهمات
    • حوارات
    • إستطلاعات وتحقيقات
  • صفحات خاصة
    • إسلاميات
    • صحة
    • ندوات
    • تاريخ
    • القوة الناعمة
    • فوانيس
    • علوم وتكنولوجيا
    • صوت الأسير
  • النسخة الورقية
    • أعداد خاصة
  • أرشيف
موقع الشعب يستخدم نظام الكوكيز. استمرارك في استخدام هذا الموقع ، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط. تفضل بزيارة سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط