في سجون الاحتلال، لا يُقاس الألم بحجمه، بل بقدرته على التسلل إلى الروح، فخلف الأبواب الحديدية، حيث يُفترض أن يُترك الإنسان وحيدا مع وجعه، يحدث العكس تماما..يتكاثر الوجع، نعم، لكنه يتوزع، يُقسّم، يُخفّف، حتى لا ينهار أحد.
في الزنازين، لا أحد يتألم وحده..حين يمرض أسير، لا يبقى المرض في جسده فقط، بل ينتقل كعدوى إنسانية إلى من حوله.. يسهرون معه، يقتسمون الدواء القليل، ويختصرون حصصهم من الطعام ليُبقي واقفا.. يتحول الجسد الواحد إلى جماعة، والجماعة إلى جسد واحد يقاوم الانكسار، ليس لأنهم أقوياء كما يُظن، بل لأنهم أدركوا مبكرا أن النجاة هنا ليست فردية.
في لحظات التفتيش القاسية، حين يقتحم السجّان الغرف بعنجهية مدججة بالإذلال، لا يُفكر الأسير بنفسه أولا، بل بما يمكن أن يُخفيه عن رفيقه، أو ما قد يُنقذه من عقوبة قادمة. تُخبأ الرسائل، تُوزّع المقتنيات، وتُعاد صياغة الخسارة بحيث لا تقع كاملة على كتف واحد.
كل شيء يُقسم.. حتى الخوف.
وفي “الفورة”، حيث المساحة الضيقة التي يُفترض أن تكون متنفسا، تتحوّل إلى ساحة لقاءات صامتة، تُقرأ فيها الوجوه أكثر من الكلمات. نظرة واحدة كفيلة بأن تقول: “أنا معك”.. وربتة خفيفة على الكتف قد تكون أقوى من خطاب طويل.
هم لا يملكون الكثير.. لكنهم يملكون بعضهم
حين يأتي خبر قاسٍ من الخارج، استشهاد قريب، أو هدم بيت، أو غياب طويل، لا يُترك الأسير ليواجه الخبر وحده. تُحاط روحه بدائرة من الصمت الحنون، حيث يجلس الجميع حوله، لا ليخففوا عنه بالكلام، بل ليمنعوا عنه السقوط. هنا، لا تُقال المواساة.. بل تُعاش.
حتى الجوع، ذلك السلاح الأشد فتكا، لا يُترك ليكون معركة فردية. حين يشتد، تُعاد قسمة اللقمة، وتُكسر القاعدة: “كلٌ لنفسه”.. قطعة الخبز تُجزأ بعناية، ليس بعدل الكمية، بل بعدل الحاجة.
في السجن، العدالة ليست قانونا.. بل أخلاق، قد ينجح السجّان في تقليص المساحة، في تجويع الأجساد، في إطفاء الضوء، لكنه يفشل دائما في كسر هذه المعادلة الصامتة: أن الإنسان، حين يُسلب كل شيء، يتمسك بالآخر أكثر.
هنا تتجلى المفارقة..السجن الذي أُريد له أن يكون مكانا للعزل، يتحوّل إلى مدرسة للجماعة.. والقيود التي صُممت لتفكيك الإنسان، تعيد تشكيله ضمن “نحن” أكبر، أوسع، وأقسى على الكسر..في تلك الزنازين، لا يُهزم الألم… بل يُعاد توزيعه..وهذا وحده كاف ليبقى الأسرى واقفين.






