ولد ليكون أكثر من اسمٍ في سجلّ التاريخ… ولد ليصبح حكاية وطنٍ يمشي على قدمين. إنّه خليل الوزير، الرجل الذي لم يكن مجرد قائد، بل كان ذاكرة مقاومةٍ نابضة، وصوتا خافتا يتحول في لحظةٍ إلى عاصفة.
في مدينة الرملة عام 1935، كانت البداية. طفلٌ يفتح عينيه على وطنٍ يتشكل وعلى قدرٍ قاسٍ ينتظره. وما إن جاءت نكبة 1948، حتى تحولت الطفولة إلى لجوء، والبراءة إلى وعيٍ مبكر بأن الحياة ليست كما ينبغي. خرج الفتى من أرضه، لكن الأرض لم تخرج منه. ظلّت تسكنه، تكبر معه، وتدفعه نحو طريقٍ لا عودة منه.
من غزة إلى الكويت، ومن الحلم إلى الفعل، بدأ أبو جهاد يرسم ملامح مسيرته. لم يكن خطيبا صاخبا بقدر ما كان رجل تنظيمٍ وعملٍ هادئ، يعرف كيف تتحول الفكرة إلى فعل، وكيف تُبنى الحركات من تفاصيل صغيرة لا يراها الآخرون. كان من أوائل المؤسسين لحركة “تح”، لكنه لم يبحث عن الأضواء، بل كان يفضّل أن يبقى خلف الستار، حيث تُصنع القرارات الكبرى.
في مسيرته، لم يكن النضال شعارا، بل حياة كاملة. كان يؤمن أن المقاومة ليست بندقية فقط، بل إرادة شعب. قاد العمل الفدائي، وأشرف على عملياتٍ تركت أثرها في الذاكرة الفلسطينية، لكنه في الوقت ذاته ظل يحمل إنسانية القائد الذي يدرك ثمن الدم، ولا يتعامل معه كأرقام.
ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، بدا وكأن الرجل يكتب فصله الأخير بأحرفٍ أكثر وضوحا. كان العقل الذي يدير، والروح التي تحفّز، واليد التي ترتب الفوضى لتصبح ثورة. هناك، في تفاصيل الحجارة الأولى، كان خليل الوزير حاضرا، رغم البعد، يقود المشهد من خلف الحدود.
لكن الحكايات الكبرى غالبا ما تنتهي بطريقةٍ تليق بها. في عام 1988، في تونس، جاء الاغتيال. رصاصٌ غادر ظنّ أنه ينهي القصة، لكنه في الحقيقة فتح بابا لخلودٍ آخر. سقط الجسد، لكن الاسم نهض أكثر حضورا. صار “أبو جهاد” رمزا، لا مجرد قائد، وصار الغياب شكلا آخر من أشكال البقاء.
سيرته ليست مجرد تسلسل أحداث، بل درسٌ في كيف يتحول الإنسان إلى قضية، وكيف تصبح الحياة كلها طريقا واحدا نحو هدفٍ لا يتغير. أما مسيرته، فهي مرآة شعبٍ بأكمله، يحلم، ينكسر، ثم ينهض من جديد.
هكذا يُكتب الرجال الكبار… لا بالحبر وحده، بل بالفعل، وبالأثر الذي يبقى بعد الرحيل.






