زيارات ولقاءات منتظرة ستحدد خارطة طريق ومستقبل العلاقات الثنائية
تشكل عودة التعاون القضائي بين الجزائر وفرنسا بعد سنتين كاملتين من الجمود، منعرجا مهما في العلاقات الثنائية بين البلدين، لاسيما وأنها تأتي بعد زيارتي وزير الداخلية والوزيرة المنتدبة المكلفة بقدامى المحاربين لدى وزيرة الجيوش الفرنسية، ما يعكس سعي الجانب الفرنسي على فتح صفحة جديدة مع الجزائر وفق الندية والاحترام المتبادل.
تستعيد العلاقات الجزائرية الفرنسية حيويتها بهدوء وفعالية برأي مراقبين، تعكس اقتناع الطرف الفرنسي بضرورة تجاوز فصل تسبب فيه اليمين المتطرف لأهداف انتخابية محضة، وعملت محاولاته على العصف بالعلاقات الجزائرية الفرنسية.
وترفعت الجزائر عن كل محاولات اليمين المتطرف البائسة لاستغلالها في تحقيق مآربه الانتخابية، وفي نفس الوقت رفضت أن تكون ورقة يتم توظيفها من قبل تيار فرنسي فشل في الإقناع السياسي في الداخل الفرنسي، فراح يشوش على العلاقات بين البلدين، وبقيت ثابتة على مواقفها بالتعامل مع السلطات الرسمية والتأكيد على الاحترام المتبادل بين البلدين والندية.
ولعل ما يؤكد هذا الطرح، وفق ملاحظين، فتح فرنسا بإصرار من الجزائر، ملف الممتلكات المكتسبة بطرق غير مشروعة، وتسليم المتورطين الهاربين، والذي يعتبر خطوة مهمة في استرجاع الأموال المنهوبة وعائدات الفساد، بعد تحقيق تقدم كبير مع إسبانيا وسويسرا كلل باسترجاع مبالغ معتبرة.
خطوة أخرى ستلي العمل الفرنسي، لاستكمال التعاون القضائي، فبعدما تنقل وزير العدل جيرالد دارمانان على رأس وفد مكون من قضاة وخبراء، من المنتظر أن يحل قضاة جزائريون بالعاصمة الفرنسية، شهر جوان المقبل، وفق ما أكد الأخير لتعميق المحادثات حول هذه الملفات وتمكين القضاء الفرنسي من معالجة عمليات الحجز والمصادرة المتعلقة بمسؤولين جزائريين سابقين.
هذا الملف كان – إلى وقت قريب – مجمدا لعدم تفاعل القضاء الفرنسي مع الإنابات القضائية، وهو ما أكده رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في تصريحات سابقة، وكان وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية، أحمد عطاف، قد أعلن أن الجزائر ستتسلم أكثر من 110 ملايين دولار من الأموال المنهوبة والمجمدة بفدرالية سويسرا إثر توجيه 33 إنابة قضائية لهذه الدولة»، وتوجه رئيس الجمهورية بالشكر إلى فيدرالية سويسرا ومملكة إسبانيا لاسترجاع الجزائر أموالها المنهوبة، فيما لم تتجاوب فرنسا مع 61 إنابة قضائية.
وقبل ذلك، تنقلت الوزيرة المنتدبة المكلفة بقدامى المحاربين لدى وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو يوم الثامن ماي إلى الجزائر برفقة السفير الفرنسي الذي استأنف عمله بعد غياب ناهز السنة، تزامنا وذكرى المجازر الهمجية للمستعمر الفرنسي.
وتم استقبال الوزيرة من طرف الرئيس تبون، وأكدت بالمناسبة أن «المحادثات التي أجرتها مع رئيس الجمهورية كانت جد بناءة»، وأشارت إلى أن «الزيارة جاءت عقب التي قمت بها أمس إلى سطيف، بتكليف من الرئيس ماكرون، لإحياء، إلى جانب الجزائر، ذكرى الأحداث المأساوية التي وقعت في 8 ماي 1945».
والأكيد أن إعادة إطلاق التعاون القضائي والأمني، سيكون خطوة أولى لكن حاسمة، تنهي مرحلة توتر لم تعشها العلاقات الجزائرية الفرنسية، بعدما عبرت قيادتي البلدين عن المضي قدما.
في السياق، أكد رئيس أركان الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة أنه «يتعين على البلدين العمل معا لتجاوز مخلفات هذا الماضي الاستعماري الأليم، دون نسيانه، والتطلع إلى مستقبل يسوده الاحترام المتبادل، والسعي سويا لتحقيق المصالح المشتركة، ورفع تحديات التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحتين الإقليمية والدولية».
واتفق وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل سعيد سعيود ونظيره الفرنسي لوران نونيز على استئناف التعاون الأمني، وقد كان أول وزير يتنقل إلى الجزائر بعد عدة أشهر من القطيعة.


