الاستقـــرار الحقيقــــي للجـــوار ينطلــق مـــن دعــم التنميـة وبنــاء القـــدرات الداخليـــة
وضعت الجزائر والنيجر، خلال الأشهر القليلة الماضية، قاعدة تعاون واسعة مع إعادة تقييم للعلاقات الثنائية شملت عددا من القطاعات الحيوية، من الأمن والطاقة والمحروقات إلى الفلاحة والتكوين والصحة والتعليم العالي والأشغال العمومية.
وتأتي زيارة الوفد الوزاري النيجري إلى الجزائر خلال الأيام الماضية في هذا الإطار العملي المستمر، لمتابعة ما تم الاتفاق عليه سابقا، وبحث آليات تنفيذه عبر لقاءات قطاعية وزيارات تقنية، بعيدا عن الاكتفاء بالتوقيع على الاتفاقيات دون مرافقة ميدانية.
الوفد النيجري الذي يقوده وزير الدولة وزير الداخلية والأمن العمومي والإدارة الإقليمية، ويضم مسؤولين في الخارجية والزراعة والطاقة والبترول، يعكس طبيعة الملفات التي تحكم العلاقات بين البلدين، حيث يصعب فصل التعاون الأمني عن الملفات الاقتصادية والتنموية، خاصة بالنظر إلى الجوار الجغرافي، والحدود المشتركة الطويلة، وحاجة المنطقة إلى مقاربة تجمع بين التنسيق الأمني، ودعم التنمية، وتوسيع فرص التعاون في المجالات التي تمتلك فيها الجزائر خبرة كبيرة.
في هذا السياق، يبرز قطاع المحروقات كأحد أهم مجالات التعاون بين الجزائر والنيجر. فاللقاء الذي جمع وزير الدولة، وزير المحروقات، محمد عرقاب، بوفد وزارة البترول النيجري، لم يتوقف عند عرض عام للعلاقات الثنائية، بل تناول ملفات تقنية تتعلق بالاستكشاف والإنتاج والتكرير والبتروكيماويات والحفر وتطوير الحقول وصيانة المنشآت، إلى جانب تطوير نشاط المنتجات البترولية في النيجر بمساهمة مجمع نفطال.
وتكتسب الزيارة التقنية التي قادت الوفد النيجري إلى منشآت وهياكل سوناطراك في بومرداس وحاسي مسعود أهمية خاصة، لأنها تسمح لهم بالاطلاع المباشر على القدرات الجزائرية الكبيرة في مجال التكوين، والخدمات البترولية، وتسيير العمليات المرتبطة بصناعة النفط والغاز. كما أن إشراك مؤسسات وطنية كبرى مثل سوناطراك ونفطال والمعهد الجزائري للبترول يمنح التعاون بين البلدين بعدا تنفيذيا واضحا، لأن الأمر يتعلق بنقل خبرة، وتكوين إطارات، ومرافقة تقنية، وليس بمجرد علاقات واتفاقيات عامة، وهذا ما تحرص عليه الجزائر في علاقاتها مع الدول الافريقية، حيث يمتد التعاون ليشمل نقل الخبرة والتكنولوجيا وتكوين الكوادر المحلية.
كذلك، فإن استعداد الجزائر لمرافقة النيجر في تطوير قطاع المحروقات يندرج ضمن تصور أوسع للتعاون الإفريقي، يقوم على توظيف الخبرة الوطنية في دعم دول الجوار وتقديم المساعدة لهم. لاسيما مع ما تمتلكه الجزائر من خبرات كبيرة في هذا المجال، وفي تكوين الكفاءات التقنية، وتسيير المنشآت الكبرى، وهي عناصر يمكن أن تشكل قيمة مضافة بالنسبة للنيجر، خاصة في مرحلة تحتاج فيها إلى تطوير قدراتها الوطنية في هذا القطاع.
إن حضور ملفات الطاقة والزراعة والداخلية والخارجية ضمن نفس الزيارة يوضح أن التعاون بين الجزائر والنيجر يتحرك على أكثر من مستوى. بالنسبة للجزائر، فإن استقرار الجوار لا يتحقق فقط عبر المقاربة الأمنية، بل يحتاج أيضا إلى مشاريع اقتصادية، وتكوين بشري، وتعاون في البنى التحتية، وتسهيل المبادلات، ودعم القطاعات المنتجة. ومن هنا تظهر أهمية متابعة الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها في اجتماعات اللجنة المشتركة الكبرى الجزائرية ـ النيجرية، لاسيما وأن هذه اللجنة وفرت الإطار القانوني والسياسي، بينما تأتي الزيارات الحالية لإعطاء مضمون عملي لهذه الالتزامات.
وفي السياق، يعكس هذا المسار توجها ثابتا في الدبلوماسية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، وهو التركيز على نتائج التعاون لا على شكله فقط. فقد أكد رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون في أكثر من مناسبة أن الاتفاقيات يجب أن تجد طريقها إلى التنفيذ، وأن العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة ينبغي أن تبنى على مشاريع واضحة ومتابعة منتظمة. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الحضور المتزايد للمؤسسات الجزائرية في مسار التعاون مع النيجر، سواء في المحروقات أو الطاقة أو التكوين أو الأمن.
كما أن التعاون مع النيجر لا يمكن فصله عن الرؤية الجزائرية تجاه منطقة الساحل الإفريقي، حيث تؤكد الجزائر على دعم الحلول التي تجمع بين احترام سيادة الدول، وتعزيز قدراتها الداخلية، ومرافقتها في القطاعات التي تسمح ببناء الاستقرار من الداخل. وهذا ما يجعل التعاون السياسي والأمني والاقتصادي جزءا من العمل الدبلوماسي، في منطقة تعرف تحديات أمنية واقتصادية معقدة.
ووفق هذا المنطق، فإن زيارة الوفد الوزاري النيجري إلى الجزائر يعتبرها الخبراء خطوة إضافية في متابعة مسار بدأ باتفاقيات متعددة، ويتواصل اليوم عبر لقاءات تقنية وبرامج تكوين وزيارات ميدانية. والأهم في هذا المسار أن العلاقات الجزائرية ـ النيجرية أصبحت تتحرك وفق أجندة عملية واضحة، تقوم على تحديد القطاعات ذات الأولوية، وربطها بالمؤسسات القادرة على التنفيذ، بما يمنح التعاون بين البلدين طابعا أكثر جدية واستمرارية على المدى البعيد.


