24 مليون ناخب يرسمون ملامح الخريطة التشريعية المقبلة
الرّهان على برلمان يجمع بين «الشرعية الشعبية» و»الكفاءة التمثيلية»
المادة 165 من الدستور.. الضامن الرّاسخ لحفظ الحقوق ونزاهة المسار
المحكمة الدستورية.. المحطــة الأخيرة والفيصل في مراقبـة النتائـج والطعون
رصد الدكتور موسى بودهان، أستاذ القانون الدستوري بجامعة الجزائر، التدابير والشروط المنصوص عليها في الدستور والنصوص القانونية في مسار عملية الترشّح ضمن القوائم الحزبية أو المستقلة، بعد انتهاء الآجال القانونية لإيداع ملفات الترشّح، وقدّم تفاصيل دقيقة ومفصّلة مع بلوغ المسار الانتخابي الجزائري محطّته الإجرائية الأهم، مع انتهاء آجال إيداع ملفات الترشّح للانتخابات التشريعية.
في قراءة قانونية رصينة فكّكت أبعاد الاستحقاق المقرّر في الثاني من جويلية المقبل، عرض أستاذ القانون الدستوري بجامعة الجزائر، تحليلا معمّقا سلّط الضوء على الضوابط الدستورية والقانونية التي تؤطّر الدورة الانتخابية، انطلاقا من الطابع النظامي غير القابل للتجاوز لآجال الترشّح، مرورا بآليات ضبط القوائم وشروط الأهلية، وصولا إلى دور السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في التنسيق مع باقي الهيئات الوطنية وضمان شفافية المسار، كما تناول الإطار القانوني الذي يؤهّل لبرلمان يجمع بين الشرعية الشعبية والكفاءة التمثيلية.
مرحلة الفصل في الطعون
أوضح الدكتور بودهان أنّ آجال إيداع ملفات الترشّح للانتخابات التشريعية المقرّرة في الثاني من جويلية القادم، قد انقضت فعليا في الثامن عشر من ماي، عند منتصف الليل، وأكّد أنّ هذه الآجال تعد من النظام العام، ولا تجوز مخالفتها أو تمديدها بأي ظرف، استنادا إلى أحكام الدستور، والأمر رقم 21-01 المعدل والمتمّم للنظام الانتخابي، وهو ما أقرّته السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات صراحة.
وفي انتظار ما ستعلن السلطة المستقلة للانتخابات بشأن الطعون الإدارية والقضائية المتعلقة بالقوائم الانتخابية، قال بودهان أنه في انتظار أن تسلّم السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بطاقة الناخب لكل ناخب مسجّل في القوائم الانتخابية على مستوى الدوائر الانتخابية المختصة، والتي تضم 69 دائرة انتخابية داخل الوطن، إضافة إلى الدوائر الانتخابية الخاصة بالجالية الوطنية بالخارج، يتم التوجّه بعد ذلك لاستقبال ملفات الترشّح سواء المقدمة من طرف الأحزاب السياسية أو القوائم الحرّة ، داخل الوطن وخارجه. وهذا طبقا للمادة 191 بالنسبة للانتخابات التشريعية.
وقال بودهان إنّ المجلس الوطني الشعبي ينتخب لعهدة مدتها خمس سنوات، وهو ما تجسّده أحكام المادة 122 من الدستور والمادة 191 من قانون الانتخابات، وشدّد على أنّ تمديد العهدة البرلمانية لا يجوز دستوريا وقانونيا إلا في ظروف استثنائية بالغة الخطورة، تعجز معها الدولة عن تنظيم الاقتراع في موعده المحدّد.
ومن الناحية الإجرائية، ستتولى السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، عبر هياكلها الممتدة على التراب الوطني وخارجه، استقبال ملفات الترشّح، على أن تتضمّن هذه الملفات كافة الوثائق المطلوبة قانونا، وأضاف أنه يتعين على كل قائمة أن تضم عددا من المترشّحين يفوق عدد المقاعد المخصّصة للدائرة الانتخابية بسبعة مترشّحين في حال كان عدد المقاعد فرديا، وبستة مترشّحين إذا كان العدد زوجيا، وهو الحكم الذي ينطبق على جميع الدوائر الانتخابية.
عملية الاقتراع..
في هذا الإطار، أوضح بودهان أنّ المؤسّس الدستوري والمشرّع الانتخابي يفرضان على القوائم المتقدمة للانتخابات، وتحت طائلة الرفض، احترام حزمة من الضوابط الموضوعية والشكلية، أبرزها: مراعاة مبدأ المناصفة بين الجنسين، وتخصيص نصف الترشيحات لمترشّحين تقل أعمارهم عن 40 سنة، على أن يمثل الحاصلون على مؤهّلات جامعية ما لا يقل عن ثلث القائمة، وأن تخصّص نسبة الثلث للنساء، انسجاما مع ما نص عليه الدستور والقانون العضوي الناظم للانتخابات، وما أكّدته السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في هذا الشأن.
ويؤكّد بودهان أنّ الدائرة الانتخابية تظل حجر الزاوية في هندسة الاقتراع، إذ تستدعي تفصيلا دقيقا استنادا إلى أحكام المادة 124 من القانون العضوي الناظم للانتخابات والمادة 121 من الدستور. وبشأن التوقيت، شدّد محدثنا على وجوب إجراء الانتخابات خلال الثلاثة أشهر السابقة لانقضاء العهدة النيابية الجارية، وهو ما أكّد عليه المرسوم الرئاسي رقم 26-145 القاضي باستفتاء الهيئة الناخبة، إلى جانب المواد 62 و65 وغيرها من نصوص القانون العضوي، والالتزام بهذه الآجال ليس مجرّد إجراء شكلي، إنما هو ضمان قانوني لانتظام الحياة الديمقراطية، خاصة أنّ الثاني من جويلية المقبل، يمثل محطة حاسمة في المسار الوطني، باعتبارها يوم انتخاب ممثلي السلطة التشريعية الذين يراقبون عمل الحكومة، ويتكفّلون بانشغالات المواطنين في إطار دستور الدولة وقوانين الجمهورية، بالإضافة إلى ممارسة الدبلوماسية البرلمانية.
تكامل المؤسّسات والضمانات الانتخابية
قال بودهان إنّ السلطة المستقلة لا تعمل في معزل عن باقي المؤسّسات، بل تؤطّر نشاطها ضمن شبكة تكاملية وتنسيقية مع الجهات القضائية المختصة، والأجهزة الأمنية، والسلطة الوطنية لضبط السمعي البصري، ولجنة تمويل الحملات الانتخابية.
وفي هذا الإطار، أبرز المتحدث أنّ المشرّع خصّص دعما ماليا استثنائيا تتحمله خزينة الدولة، لفائدة المترشّحين الذين تقل أعمارهم عن 40 سنة، بهدف تخفيف الأعباء المادية عن الشباب وتمكينهم من خوض غمار الحملات الانتخابية بفعالية.
وعلى صعيد الضمانات الإجرائية، أولى بودهان أهمية بالغة لآليات الطعن بمختلف أشكالها، لا سيما الطعون القضائية، وأكّد أنّ الحق في اللجوء إلى القضاء يظل مكفولا لكل من يرى أن قرارا صادرا عن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أو عن امتداداتها الداخلية والخارجية، قد مسّ بحقوقه أو خالف الضوابط القانونية.
وتختص المحاكم الجزائرية – وفق بودهان – بالنظر في هذه الطعون بما يضمن نزاهة المسار الانتخابي ويصون حقوق المترشّحين، ويستند – في السياق – إلى الضمانات الدستورية الراسخة، وفي مقدمتها المادة 165 من الدستور التي تنص صراحة على أنّ «القضاء سلطة مستقلة»، وأنّ «القاضي لا يخضع إلا للقانون»، كما يكلّف القضاء بـ»حماية المجتمع والحريّات الأساسية وحقوق المواطن»، ويقوم على ضمان حسن سير العدالة وحفظ الحقوق الدستورية للأفراد والجماعات.
سقف مرتفع للممارسة الديمقراطية
على صعيد الضمانات، أكّد بودهان أنّ المسار الانتخابي يرتكز على ثلاثية متكاملة من الضمانات القانونية والدستورية والسياسية، واستحضر التوجيه الرئاسي الصريح الذي يفيد بأنّ الدولة «ستكون بالمرصاد لكل من تسول له نفسه خرق قوانين الجمهورية، أو اللجوء إلى أساليب الغش والتحايل، أو اعتماد تمويل غير مشروع للحملات الانتخابية».
ويبين الدكتور بودهان أنّ هذا الإطار الضماناتي يتجسّد في منظومة مؤسسية متكاملة، بدءا من التقسيم الانتخابي المحكوم بقانون ونصوص تطبيقية دقيقة، مرورا بممارسة الجهات القضائية لاختصاصاتها الرقابية والفصلية، وصولا إلى الدور المحوري للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.
وفي هذا المسار، تتضافر جهود جميع المؤسّسات، لتقديم الدعم اللوجيستي والمالي اللازم لضمان سير العمليات الانتخابية بكفاءة وحياد، على أن تأتي المحكمة الدستورية لاحقا كمرحلة أخيرة للفصل في الطعون ومراقبة دستورية النتائج.
وشدّد الدكتور بودهان على أنّ فهم هذه الآليات الدستورية والقانونية والمؤسّساتية، وترويجها إعلاميا ومجتمعيا، يعد شرطا أساسيا لنجاح الانتخابات التشريعية المقبلة، بما يضمن أن يكون الاستحقاق الانتخابي شفافا وديمقراطيا يفرز مؤسّسات تتمتّع بالنزاهة والكفاءة.
وفي السياق، تشكّل الهيئة الناخبة في صيغتها الجديدة ركيزة هذا المسار، إذ يتوقّع أن تضم نحو 24 مليون ناخب مسجّل، كما ربط الخبير الدستوري بين نجاح البرلمان القادم ومتطلّبات «الأمن القانوني»، مؤكّدا أنّ الكفاءة التشريعية لا تقاس بكمية القوانين المنتجة، بل بنوعيتها، ومدى استجابتها للمعايير الدستورية، وتوفّر الشروط الموضوعية والإجرائية التي تجعل النص التشريعي واضحا، قابلا للتطبيق.
وفيما يخص الرقابة البرلمانية، يرى محدثنا أنّ تفعيل آليات المراقبة يتجاوز الاكتفاء بالأسئلة الشفوية والمكتوبة أو البعثات الاستعلامية البرلمانية، ليصل إلى تفعيل حقيقي لأدوات الرقابة الرادعة مثل حق الاستجواب، ولجان التحقيق البرلماني، والالتزام الصارم بمتطلبات بيان السياسة العامة، بما يعزّز مساءلة الحكومة ويرفع من سقف الممارسة الديمقراطية داخل المجلس.


