تقاليد مجتمعية تلتقـي مـع مبادئ التنميــة المستدامـة
تطرح جلود الأضاحي بعد الانتهاء من عملية النحر تحديا كبيرا أمام الجماعات المحلية، في كيفية التعامل مع هذا الجلد المتروك، أو الملوث، أو المتعفن، أو المختلط بالنفايات المنزلية، والذي يتحول إلى عبء ثقيل على البلدية وخسارة حقيقية للاقتصاد الوطني في حين يمكن أن يتحول إلى مورد اقتصادي هام.
في هذا الموضوع، أوضح الخبير ومان في تصريح لـ«الشعب”، أن المرسوم التنفيذي رقم 06-104 2006، يمثل أداة أساسية وضابطا قانونيا لتحديد الوضعية القانونية لجلود الأغنام وتنظيمها، إذ يحدد هذا المرسوم تصنيف النفايات ويسمح بالتمييز الدقيق بين فئاتها المختلفة، لا سيما النفايات المنزلية وما شابهها، والنفايات الخاصة، والنفايات الخاصة الخطرة، مشيرا إلى أن هذا التصنيف يعد ركيزة محورية للتعامل مع جلود الأغنام.
كما يتيح القانون رقم 25-02 المعدل والمتمم للإطار القانوني المتعلق بتسيير النفايات، – يضيف ومان – فرصة استراتيجية سانحة لإعادة التفكير جذريا في ملف جلود الأغنام، إذ يسمح هذا النص التشريعي الحديث بتجاوز المقاربة التقليدية الضيقة التي تقتصر على مجرد رفع القمامة والتخلص منها، والانتقال نحو منطق ريادي متكامل يقوم على أبعاد الوقاية، والفرز، والاسترجاع، والتثمين، وقابلية التتبع، مع تحميل مختلف الفاعلين مسؤولياتهم المباشرة.
ويرى ومان أنه من الضروري إعادة النظر إلى تسيير ملف جلود الأغنام في الجزائر خارج حملة تنظيف ظرفية وموسمية تلي انقضاء العيد، إذ يتعين تحويله إلى سياسة عمومية هيكلية للتثمين الاقتصادي؛ سياسة تدمج بانسجام بين الحفاظ على التقاليد المجتمعية الراسخة، ومبادئ الاقتصاد الدائري، وعصرنة تسيير النفايات، وتطوير صناعة الجلود الوطنية، مع تعزيز روح المسؤولية المواطنية. وفي هذا الإطار، ذكر ومان بالقانون رقم 25-02 الذي جاء ليعزز هذه الرؤية الطموحة من خلال إرساء دعائم الوقاية، والفرز من المصدر، والاسترجاع، وقابلية التتبع، وتقاسم المسؤولية، متيحاً بذلك للبلديات وباقي الشركاء فرصة استراتيجية للانتقال الجذري من منطق الإزالة والتخلص إلى منطق بناء الشعبة والاستثمار.
وتتجسد هذه الرؤية – حسب ومان – من خلال تحد عملي وتنفيذي ملموس، يتوزع على محطات زمنية متكاملة، إذ يتطلب الأمر تحضيرا وتخطيطا استباقيا دقيقا قبل العيد، وإدارة صارمة لعمليات الفرز والجمع السريع أثناء العيد، يعقبها تقييم وحصيلة رقمية شاملة بعد العيد، ويتكامل هذا المسار التنظيمي مع ضرورة تأطير الجامعين المعتمدين، وإدماج المدابغ الوطنية كشريك صناعي، وتكثيف حملات تحسيس المواطنين، فضلا عن وضع نظام رقمي بسيط وفعال يضمن قابلية تتبع التدفقات من المنبع إلى المصنع.
ويعتقد محدثنا أن المؤشرات الحالية، تؤكد أن الجزائر تمتلك بالفعل ثروة حيوانية معتبرة، والخبرة التقنية، والنسيج الصناعي المؤهل، والإطار القانوني الحديث والمحفز، وما تبقى سوى ترتيب وحوكمة حلقات سلسلة القيمة هذه.
ويخلص الخبير ومان إلى أن الارتقاء بملف جلود الأضاحي إلى مصاف شعبة صناعية وطنية للتثمين، يعني بوضوح تحويل عبء بيئي وقيد موسمي ضاغط إلى فرصة استثمارية واعدة تخلق الثروة ومناصب الشغل وتحمي المحيط، كما تمثل هذه الخطوة برهانا جليا على أن الممارسات والتقاليد الدينية والمجتمعية الراسخة يمكنها، متى ما أُطرت بذكاء، أن تندمج بالكامل في منظومة الاقتصاد الدائري الحديث، وتساهم بفعالية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والشاملة للبلاد.

