مــواد أوليــة تغــذّي صناعـــات تحويليـة ذات قيــــمة مضافــة عاليــة
يبرز الاستثمار في الجلود والصوف كأحد أهم الرهانات الاقتصادية الواعدة، بالنظر إلى الثروة الحيوانية الكبيرة التي تزخر بها الجزائر، وما توفّره من مواد أولية قادرة على تغذية صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة عالية، فالجلود الطبيعية يمكن أن تشكّل قاعدة حقيقية لصناعة الأحذية والحقائب والأثاث والمنتجات الجلدية المختلفة، بينما يمثل الصوف موردا استراتيجيا لتطوير الصناعات النسيجية التقليدية والعصرية، بما يفتح المجال أمام تقليص فاتورة الاستيراد، وخلق مناصب شغل جديدة، وتشجيع التصدير نحو الأسواق الإقليمية والدولية.
وتراهن الجزائر على دعم البحث والتطوير من خلال بناء شراكات فعالة بين الجامعات والمراكز التقنية والمؤسّسات الصناعية، بما يسمح بابتكار مواد ذكية، وتحسين كفاءة خطوط الإنتاج، وتطوير تقنيات تصنيع موفّرة للطاقة والموارد. ويُنتظر أن يُسهم هذا التوجّه في الانتقال نحو تصنيع مرن وقابل للتخصيص وفق متطلّبات الأسواق الحديثة، مع تعزيز التكوين المتخصّص في مجالات التصميم والصناعات الجلدية وتقنيات النسيج وربط مخرجات التعليم بحاجيات الصناعة الوطنية الفعلية.
ويكتسي فتح المجال أمام الشراكات الدولية الاستراتيجية أهمية بالغة في نقل التكنولوجيا وتوطينها، وتطوير معايير الجودة بما يتوافق مع المتطلبات العالمية، الأمر الذي من شأنه رفع تنافسية المنتجات الجزائرية وتعزيز حضورها في الأسواق الخارجية. كما أنّ تشجيع المؤسّسات الناشئة والمصغّرة العاملة في تحويل الجلود والصوف يمكن أن يخلق ديناميكية اقتصادية جديدة، خاصة في المناطق الريفية والهضاب العليا التي ترتبط تاريخيا بتربية المواشي والحرف التقليدية.وفي خضم هذه الرؤية الاقتصادية الحديثة، تتجلّى عملية جمع جلود الأضاحي خلال عيد الأضحى كنموذج عملي للاقتصاد الدائري القائم على تثمين الموارد المحلية بدل إتلافها أو رميها. فهذه الجلود تمثل مادة خام استراتيجية قادرة على دعم الصناعات الجلدية الوطنية وتوفير احتياطي هام للمؤسّسات التحويلية، شريطة تنظيم عمليات الجمع والمعالجة والتخزين وفق معايير مهنية دقيقة.ويتطلّب ذلك وضع آلية وطنية فعّالة تقوم على التوعية المجتمعية بأهمية المحافظة على الجلود، وتفعيل نقاط جمع معتمدة، وضبط سلسلة النقل والتخزين المبرد لمنع التلف والحفاظ على الجودة، بالتنسيق بين البلديات والجمعيات المتخصّصة والقطاع الخاص. ومن شأن هذا المسار أن يحول موردا موسميا بسيطا إلى قيمة اقتصادية حقيقية تُسهم في دعم الصناعة الوطنية، وتعزيز الاقتصاد الأخضر، وتحقيق التنمية المستدامة التي تراهن عليها الجزائر في المرحلة المقبلة.



