سنــين طويلـة مـن العمل الميدانـي الهـادئ والإنتـاج الثقــافــــي
فقدت الساحة الثقافية الجزائرية واحدا من أبرز الباحثين الذين كرّسوا حياتهم لخدمة التراث والذاكرة الوطنية، برحيل الكاتب والباحث محمد الصالح أونيسي، الذي ظل اسمه مرتبطا بحفظ الموروث الأوراسي وتوثيق تفاصيله الثقافية واللغوية والإنسانية عبر سنين طويلة من البحث والعمل الميداني الهادئ.
رحل محمد الصالح أونيسي تاركا خلفه حزنا عميقا في الأوساط الثقافية الجزائرية، بعد مسيرة طويلة كرسها لخدمة الذاكرة الوطنية وحفظ التراث الأوراسي من النسيان، وبرحيله، تفقد الجزائر واحدا من أبرز الباحثين الذين آمنوا بأن الثقافة ليست مجرد كتب ومخطوطات، بل ذاكرة شعب وهوية أمة وروح مكان.
ولم يكن اسم محمد الصالح أونيسي متداولا في دائرة الأضواء الإعلامية الواسعة بقدر ما كان حاضرا بقوة في أوساط الباحثين والمهتمين بالتراث الشعبي والأمازيغي، خاصة في منطقة الأوراس التي ارتبط بها فكرا ووجدانا، حتى تحوّل مع مرور السنوات إلى أحد أبرز حرّاس ذاكرتها الثقافية.
كرّس الراحل جزءا كبيرا من حياته لجمع التراث الشفوي وتوثيقه، متنقلا بين القرى والمداشر الأوراسية، باحثا في تفاصيل الحياة اليومية القديمة، وفي الحكايات الشعبية والأمثال والأغاني والعادات الاجتماعية التي شكّلت وجدان المنطقة عبر عقود طويلة. وقد أدرك مبكرا أن كثيرا من هذا الإرث مهدد بالاندثار مع رحيل كبار السن وتغيّر أنماط الحياة، فاختار أن يجعل من التوثيق رسالته في الحياة.
وعُرف محمد الصالح أونيسي باهتمامه العميق باللغة الأمازيغية، لاسيما اللهجة الشاوية، حيث عمل لسنوات على جمع مفرداتها وتصنيفها وتوثيقها في إطار مشروع ثقافي ومعرفي كبير. ومن أبرز أعماله في هذا المجال القاموس الأمازيغي ـ العربي – الفرنسي «أموال أمقراد»، الذي ضم آلاف الكلمات والمصطلحات المرتبطة بالحياة اليومية والتراث المحلي، في محاولة لحماية الذاكرة اللغوية للأوراس من التآكل والنسيان.
كما ارتبط اسم الراحل بعدد من المبادرات الثقافية والجمعوية التي سعت إلى إبراز غنى الثقافة الأوراسية، حيث شارك في تنظيم ملتقيات فكرية وندوات تُعنى بتاريخ المنطقة وتراثها الشعبي والفني، مؤمنا بأن حماية التراث لا تكون فقط عبر الكتابة، بل أيضا من خلال فتح فضاءات للنقاش والتعريف بالموروث الوطني لدى الأجيال الجديدة.
ومن بين أعماله التي لاقت اهتماما لدى المهتمين بالتاريخ الثقافي كتاب «الأوراس تاريخ وثقافة»، الذي حاول من خلاله تقديم صورة شاملة عن المنطقة، ليس فقط باعتبارها فضاء جغرافيا، بل بوصفها خزّانا حضاريا وإنسانيا ساهم في تشكيل الشخصية الجزائرية عبر التاريخ.
وكان الراحل ينتمي إلى جيل من الباحثين العصاميين الذين اشتغلوا على التراث بدافع الشغف والانتماء، بعيدا عن البحث عن الشهرة أو المكاسب، لذلك ظل اسمه مرتبطا بالصبر الطويل في التنقيب والتوثيق، وبالعمل الهادئ الذي يُنجز في الظل لكنه يترك أثرا عميقا في الذاكرة الثقافية.
وقد حملت رسالة التعزية الصادرة عن وزارة الثقافة والفنون الكثير من الدلالات، حين وصفت الفقيد بـ»الحارس الأمين للذاكرة الثقافية»، وهو وصف يلخص إلى حد بعيد المسار الذي اختاره محمد الصالح أونيسي لنفسه، مسار الدفاع عن الأصالة الوطنية وحماية الإرث الأوراسي من النسيان.
اليوم، يغيب محمد الصالح أونيسي جسدا، لكن أثره سيبقى حاضرا في كتبه وأبحاثه، وفي كل كلمة أمازيغية وثّقها، وكل حكاية شعبية أنقذها من الضياع، وكل صفحة كتبها دفاعا عن ذاكرة الأوراس والجزائر، فرحيل الباحثين الحقيقيين لا يعني نسيانهم، بل بداية حياة أخرى داخل الذاكرة الجماعية للأوطان.





