تطل الكاتبة نور الهدى بوزيان، على قرائها بإصدارها الجديد والموسوم بـ»أحقّ الناس بحسن صحبتي» كعمل وجداني صادق، ينتمي إلى أدب الخواطر، ويؤسس لمساحة تأملية خاصة، تحتفي بأسمى القيم الإنسانية ألا وهي «بر الأم».
صدر «أحقّ الناس بحسن صحبتي» عن «دار المثقف العربي للنشر» بالجزائر، في 49 صفحة، لكنه يختزن من المعاني ما يتجاوز حجمه، إذ يبدو أقرب إلى سيرة شعورية تتقاطع فيها التجربة الذاتية مع الاعتراف العميق بالفضل.
منذ العتبة الأولى، تصارح الكاتبة قارئها بأن الكتابة كانت دوما ملاذ روحها، الوسيلة التي تترجم بها ما يعجز القلب عن قوله، غير أن الحديث عن الأم يظل استثناء، حيث تخفت الكلمات وتتواضع اللغة أمام مقامها، وهنا تتأسس روح الكتاب: «نصوص لا تسعى إلى البلاغة بقدر ما تنشد الصدق، ولا تتكئ على الزخرفة بقدر ما تنبع من الامتنان».
لا تقدم نور الهدى بوزيان مجرد خواطر متناثرة، بل تشيّد عبر فصول الكتاب رحلة متكاملة تبدأ من الطفولة وتنتهي عند العهد المتجدد. هي شهادة بر لامرأة «آمنت بها قبل أن تؤمن بنفسها»، في هذا السياق، يتحول فعل الكتابة إلى محاولة وفاء، وإلى سعي دائم لرد جزء من الدين الرمزي الذي تحمله الكاتبة تجاه والدتها.
ينقسم الكتاب إلى تسعة فصول، تحمل عناوين دالة مثل «ميثاق الطفولة»، «منهج الحكمة»، «حصاد اليقين» و»العهد الخالد».. وهي عناوين تكشف مسارا تصاعديا في التجربة، من البدايات المرتبكة إلى النضج الروحي. ففي الفصل الأول «الخامسة هي البداية»، تستحضر الكاتبة ملامح الطفولة الأولى، بينما تتعمق في فصول لاحقة في مفاهيم مثل الإيثار، الصبر، والعطاء، لتصل في النهاية إلى لحظة التتويج: الوفاء كقيمة عليا.
وتبرز في متن الكتاب لغة مشحونة بالرمزية، حيث يتكرر حضور «النور» بوصفه دلالة مزدوجة: اسما للكاتبة من جهة، ورمزا للهداية والأمل من جهة أخرى. كما تتجلى بلاغة الصمت والدعاء في أكثر من موضع، في إشارة إلى أن العلاقة مع الأم تتجاوز القول إلى الشعور، وتتجاوز التعبير إلى الإحساس العميق.
في مقدمة العمل، تصف الكاتبة كتابها بأنه «سجل لرحلة القلب»، يبدأ بوعد النور وينتهي بعهد لا ينقضي، مؤكدة أن أعظم قسم يمكن أن يقطعه الإنسان هو أن يكرّس حياته لخدمة أمه، وأن أعظم فرحة هي أن ترى الأم أبنائها يحققون أحلامهم. هذه الفكرة تشكل العمود الفقري للنص، وتمنحه بعدا إنسانا يتجاوز التجربة الفردية ليصل إلى القارئ في أي مكان.
يمكن القول إن «أحقّ الناس بحسن صحبتي» ليس مجرد كتاب خواطر، بل هو نص وفاء، يكتب الأم لا بوصفها موضوعا، بل باعتبارها أصل الحكاية كلها. إنه عمل يذكرنا بأن أعظم العلاقات لا تحتاج إلى تعقيد لغوي، بل إلى صدق الشعور.. وأن الأم، في النهاية، تبقى الحكاية التي لا تنتهي.






