صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب التوجهات الانفعالية والثقافة السياسية، وهو من تأليف الدكتور رجا بهلول، أستاذ الفلسفة في معهد الدوحة للدراسات العليا.
يسعى الكتاب إلى سدّ فراغٍ وتصويب خطأ؛ إذ يتمثل الفراغ في ندرة الكتابات العربية الفلسفية التي تناقش العلاقة بين العواطف والتوجهات الانفعالية والحالات الوجدانية من جهة، والفكر والممارسة السياسية من جهة أخرى. أمّا الخطأ، أو على الأقل ما يعدّه الباحث خطأ، فيتمثل في الاعتقاد الشائع بأن السياسة مجالٌ للعقلانية الباردة والوسائل العملية المؤدية إلى تحقيق الأهداف، وأنه لا مكان للاعتبارات العاطفية في الفكر السياسي أو الممارسة السياسية إذا أُريد لهذه الممارسة أن تُكلَّل بالنجاح.
يدافع الباحث عن أطروحة مفادها أن موقف الريبة والحذر من الانفعالات ينطوي على قدر كبير من السطحية وقِصر النظر، وذلك لعدة أسباب؛ منها أن الانفعالات تشكّل جزءا من عقلانيتنا بوصفنا بشرا، وإن لم يكن ذلك جليّا للوهلة الأولى، وأن الإنسان غير القادر على اختبار الانفعالات لا يُعدّ إنسانا بالمعنى المعتاد للكلمة. ولا يمكن فهم القيم الأخلاقية والسياسية بمعزل عن الانفعالات؛ لأن القيم بطبيعتها ذات بعد انفعالي بقدر ما هي إدراكية/ عقلانية، وتؤدي الانفعالات، بالاشتراك مع المعتقدات، دورا أساسيا في تكوين الدوافع للفعل السياسي وغيره، ومن ثمّ فإن غياب الحياة الانفعالية يجعل الإنسان غير قادر على الفعل، ولا يختلف في ذلك عن الجماد الذي لا يتحرّك بدافع داخلي، ويوضح الباحث أن الانفعالات تسهم في تبرير الأفعال وعقلنتها، ليس من وجهة نظر الفاعل فحسب، بل أيضا في نظر المراقبين الخارجيين.
يناقش الكتاب في خمسة فصول عددا من المفاهيم المترابطة التي تنبثق من عنوانه. وتشمل هذه المفاهيم نظريات الانفعالات، ومفاهيم القيم والرغبات والاحتياجات البشرية، والنظام السياسي والثقافات السياسية، والعلاقة بين الدوافع والأفعال، إضافة إلى الانفعالات المرشحة لأداء دور في الحياة السياسية الديمقراطية (مثل التعاطف)، ومكانة الانفعالات في الثقافة السياسية، وكذلك العلاقة السببية، أو غيرها، بين نظام الثقافة السياسية والنظام السياسي.
وتوصّل الباحث إلى مجموعة من النتائج؛ منها: أولا، ليس الانفعال شعورا خالصا، بل هو شعور وإدراك معا، ثم إن غياب الانفعالات في الحياة الذهنية ينتقص من العقلانية بصورة لا لبس فيها. ثانيا، القيم والانفعالات صنوان لا يفترقان؛ إذ تُستثار الانفعالات عندما يُدرك الفرد أن ما يراه قيّما يتعرض للتهديد، فالقيم ليست إدراكات عقلية لما هو قيّم فحسب، بل تتضمن بُعدا انفعاليا أيضا. ثالثا، إن في الثقافة، كما في الحياة السياسية، جانبا انفعاليّا لا يمكن تجاهله، ومن الخطأ افتراض أن الحياة السياسية ينبغي أن تكون حسابات عقلانية باردة فحسب. رابعا، تتسّم الثقافة السياسية الديمقراطية بتوجهات انفعالية محدّدة تميزها من غيرها من أنماط الثقافة السياسية. خامسا، تؤدي التوجهات الانفعالية، ومن خلالها الثقافة السياسية، دورا سببيا في النظام السياسي، من خلال تشكيل الدوافع اللازمة للفعل السياسي، بما يشمل محاولات الحفاظ على هذا النظام أو تغييره.




