عادت خرجة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، أمس الأول، إلى الجزائر العاصمة، لتؤكد مرة أخرى أن الدولة تمضي في تعزيز المكاسب الإستراتيجية والاجتماعية، من خلال المشاريع والاعتمادات المالية الموجهة لقطاعات تمس الحياة اليومية للمواطنين، على غرار الصحة والسكن والتربية والتعليم والمياه. وقد توقف رئيس الجمهورية عند هذه النقطة بشكل واضح حين قال «إن نقاط قوة الجزائر تكمن في أن أغلب مصاريف الدولة موجهة لتحقيق التوازنات الاجتماعية»، موضحا أن هذه الملفات تسير مع بعضها البعض إلى غاية الوصول إلى الأهداف المسطرة.
ويعكس هذا الكلام توجها واضحا في تسيير الشأن العام خلال السنوات الأخيرة، فالدولة الجزائرية تواصل تمويل برامج السكن، ورفع حجم الإنفاق على القطاعات الاجتماعية، وحافظت على دعم واسع للمواد والخدمات الأساسية، في وقت لجأت فيه دول كثيرة إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي بسبب الضغوط المالية، وبالنسبة للجزائر، لم يتم التعامل مع هذه الملفات باعتبارها أعباء مالية، بل كجزء من استقرار البلاد وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار عالميا وتغيرات المناخ.
وتظهر أهمية هذا التوجه في قطاع السكن، الذي بقي من أكبر الورشات الاجتماعية في البلاد. فبرامج السكن بمختلف صيغها سمحت لشرائح واسعة من الجزائريين من الحصول على سكنات محترمة، وهو ما جعل هذا القطاع من أكثر القطاعات ارتباطا بدور الدولة الاجتماعي. كما أن قطاعي التربية والتعليم العالي يواصلان استقبال ملايين التلاميذ والطلبة سنويا مع استمرار مجانية التعليم بشكل كامل، وهي نقطة أساسية في النموذج الاجتماعي الجزائري. كذلك، تبقى الصحة العمومية إحدى ركائز هذا التوجه، رغم النقائص المسجلة في بعض المؤسسات، لأن الدولة ما تزال تتحمل الجزء الأكبر من كلفة العلاج والخدمات الصحية.
وتدعم العديد من المؤشرات الدولية الموثوقة هذا المسار، فالجزائر تصنف ضمن الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة، كما أن مؤشرات الوصول إلى التعليم والكهرباء والخدمات الأساسية تبقى مرتفعة مقارنة بعدد من الدول في المحيط الإقليمي للجزائر. غير أن الأهم في تصريحات رئيس الجمهورية هو الربط بين هذه الملفات وبين قدرة الدولة على حماية المواطن من الأزمات، لأن التوازن الاجتماعي لا يتحقق فقط عبر الأجور والمنح، بل كذلك عبر السكن، والمدرسة، والمستشفى والماء.
الأمن المائي.. من الظرفية إلى الخيار الوطني
علاوة على ذلك، وضمن هذه الرؤية العامة، يبرز ملف المياه كأحد أهم الملفات التي أخذت بعدا جديا في الجزائر. فقد أكد رئيس الجمهورية أن الدولة عملت على محاربة الجفاف والعطش بالاعتماد على أدمغة ووسائل وأموال جزائرية، مشيرا إلى أن مياه البحر المحلاة تغطي حاليا حوالي 40 بالمائة من حاجيات المواطنين، على أن ترتفع النسبة إلى 62 بالمائة بعد الانتهاء من إنجاز باقي محطات التحلية.
وهذا الرقم مهم، لأنه يوضح أن الجزائر لم تعد تعتمد فقط على السدود والآبار والمياه الجوفية. فالسنوات الأخيرة بينت أن الجفاف لم يعد وضعا مؤقتا، بل صار تحديا مستمرا في المنطقة كلها، وتراجع التساقطات، ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة الاستهلاك كلها عوامل جعلت الدولة الجزائرية تتجه بقوة نحو تحلية مياه البحر، خاصة أن الجزائر تملك شريطا ساحليا طويلا يسمح بتطوير هذا الخيار.
وحسب بيانات وزارة الري، تمتلك الجزائر 26 محطة لتحلية مياه البحر قيد الاستغلال بطاقة إنتاجية إجمالية تقدر بـ2.33 مليون متر مكعب يوميا، أي ما يعادل 852 مليون متر مكعب سنويا. ومع دخول مشاريع جديدة الخدمة، سترتفع الطاقة الوطنية بشكل كبير، حيث تعمل الجزائر على بلوغ 5.6 مليون متر مكعب يوميا في آفاق 2030، وفق برنامج وطني يشمل إنجاز محطات كبرى بطاقة 300 ألف متر مكعب يوميا لكل محطة.
وبهذه الأرقام، أصبحت الجزائر من أكبر الدول الإفريقية في إنتاج المياه المحلاة، بل إن تجربتها بدأت تطرح كنموذج في القارة، خاصة أنها لم تبن هذا الخيار على الاستيراد الكامل للحلول الجاهزة فقط، بل على مؤسسات وطنية تتولى الإنجاز والتسيير والمتابعة. فمحطات التحلية الكبرى تشرف عليها مؤسسات جزائرية، وعلى رأسها الشركة الجزائرية لتحلية المياه التابعة لسوناطراك، وهو ما يعطي للملف بعدا آخر يتعلق بالسيادة التقنية وليس فقط بتوفير المياه.
كذلك، فإن أهمية التحلية لا تتوقف عند تزويد المواطنين بالماء الشروب، لأن تأمين حاجيات المدن الكبرى والولايات الساحلية من مياه البحر المحلاة، يقل الضغط على السدود والموارد الجوفية. وهذا يسمح بتوجيه جزء أكبر من المياه التقليدية نحو الفلاحة، خاصة في المناطق التي تحتاج إلى الري المنتظم. ومن هنا يصبح الأمن المائي مرتبطا مباشرة بالأمن الغذائي، لأن توفير الماء للمواطن يفتح المجال أيضا لدعم الإنتاج الفلاحي.
وتراهن الجزائر على أن توفر المحطات الجديدة كميات إضافية معتبرة، قد تصل إلى أكثر من 1.5 مليار متر مكعب سنويا من المياه المحلاة، وهذه الكميات تعني تقليص مخاطر العطش، تخفيف الضغط على السدود، وتحسين قدرة البلاد على مواجهة سنوات الجفاف. كما أن هذا الخيار يسمح للدولة بتسيير أفضل للموارد المائية بين الشرب والفلاحة والصناعة.
وقد حظيت التجربة الجزائرية باعتراف دولي مؤخرا، بعد تصنيف محطة تحلية مياه البحر كاب بلانك بوهران في المرتبة الثانية ضمن جوائز المياه العالمية لسنة 2026 في فئة أفضل مشاريع تحلية مياه البحر.

