مواكبـــة التحــولات المتسارعة فـــي العلــوم الحربيــة والتكنولوجيــا العسكريـــة
أكدت أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية، البروفيسور نبيلة بن يحيى، أن الأكاديمية العسكرية بشرشال الرئيس الراحل هوراي بومدين، منذ تأسيسها في السنوات الأولى للاستقلال، لم تكن مجرد مؤسسة لتكوين الضباط، بل كانت مشروعًا وطنيًا واستراتيجيًا لبناء الإنسان الذي يحمل مسؤولية الدفاع عن الدولة وصون سيادتها واستقلالها.
أوضحت بن يحيى، في تصريح خصّت به “الشعب”، أن الجزائر أدركت وهي تضع اللبنات الأولى لمؤسساتها السيادية بعد الإستقلال، أن بناء جيش قوي يبدأ بصقل العقل العسكري القادر على الجمع بين الانضباط والولاء والعلم، وأن صناعة القادة أكثر أهمية من امتلاك العتاد.
وعلى امتداد عقود، مثلما أبرزت بن يحيي، أصبحت أكاديمية شرشال منارة للتكوين العسكري العالي، تخرج منها آلاف الضباط الذين تولوا قيادة مختلف تشكيلات الجيش الوطني الشعبي، وأسهموا في تحديث المؤسسة العسكرية الجزائرية وتعزيز جاهزيتها. ولم يقتصر إشعاعها على الجزائر، بل امتد إلى العديد من الدول العربية والإفريقية الشقيقة، التي وجدت في الأكاديمية مدرسة رائدة لإعداد كوادرها العسكرية، بما رسّخ مكانتها كإحدى أبرز مؤسسات التعليم العسكري في المنطقة والعالم.
غير أن عظمة المؤسسات لا تقاس فقط بتاريخها، وإنما بقدرتها على مواكبة المستقبل؛ في ظلّ التحولات الاستراتيجية غير المسبوقة التي يعيشها العالم، إذ لم تعد القوة العسكرية تقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة، بل بامتلاك المعرفة، والتحكم في التكنولوجيا، والقدرة على إدارة البيانات، وتسخير الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في صناعة القرار العسكري وإدارة المعارك. كما أدت الثورة الرقمية إلى إعادة تعريف مفهوم الحرب، وأصبحت المعارك الحديثة لا تدار في البر والبحر والجو فحسب، بل امتدت إلى الفضاء السيبراني، والفضاء الخارجي، والمجال المعلوماتي، وباتت الهجمات الإلكترونية، والتضليل الإعلامي، والاختراقات الرقمية والخوارزمية، والحرب النفسية، أدوات لا تقل خطورة عن الصواريخ والطائرات، بحسب قولها.
وتابعت بن يحيي: “البيئة الدولية المعقّدة التي تتداخل فيها المنافسة الجيوسياسية مع الثورة التكنولوجية، أبرزت الحاجة إلى ضباط يمتلكون تكوينًا متعدد الأبعاد، يجمع بين العلوم العسكرية، والعلوم السياسية، والعلاقات الدولية، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي. ومن هنا تتجلّى أهمية الأكاديمية العسكرية بشرشال الرئيس الراحل هواري بومدين، التي لم تعد تقتصر رسالتها على تخريج قادة ميدانيين، بل أصبحت تؤهل قادة استراتيجيين قادرين على فهم التحولات التكنولوجية العالمية، واستيعاب التهديدات الهجينة المستجدة، واتخاذ القرار في بيئات تتّسم بالغموض والتعقيد وسرعة التّغيّر.”
وأضافت محدثتنا أن التنافس الدولي الرّاهن لم يعد يدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول امتلاك التكنولوجيا، والسيادة الرقمية، والقدرة على حماية البنى التحتية المعلوماتية، وتأمين الفضاء السيبراني، ودمج العلوم السياسية والهندسية والرياضيات التطبيقية وعلوم الحاسوب ضمن منظومة التكوين العسكري، واستثمار الذكاء الاصطناعي في تحقيق الردع الاستراتيجي، حيث أصبحت الأكاديميات العسكرية الحديثة مراكز للبحث والابتكار بذاتها، وهذا هو النهج القويم الذي تسير عليه الأكاديمية العسكرية بشرشال، التي حرصت على تطوير برامجها التعليمية والتدريبية بما يواكب التحولات المتسارعة في العلوم والتكنولوجيا العسكرية، من خلال تكوين ضباط يجمعون بين الكفاءة العملياتية والتأهيل العلمي، ويملكون القدرة على استيعاب تحديات الأمن السيبراني، والأنظمة غير المأهولة، والقيادة والسيطرة الرقمية، وتحليل البيانات الضخمة، واتخاذ القرار في بيئات عملياتية معقدة تتسم بالسرعة والغموض وتعدد مصادر التهديد.
لقد أثبتت الأكاديمية العسكرية بشرشال، عبر تاريخها، أن بناء الرجال هو أساس بناء الجيوش، وأن القائد الحقيقي هو من يجمع بين الوفاء والكفاءة، وبين الانضباط والإبداع، وبين الوطنية والانفتاح على المعرفة. واليوم، وهي تدخل عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية والتحكم في الخوارزميات، تؤكد مرة أخرى أنها ليست حارسة لذاكرة عسكرية مجيدة فحسب، وإنما صانعة لمستقبل الأمن الوطني، ومختبر لإعداد قادة محترفين قادرين على مواجهة حروب القرن الحادي والعشرين، تختم البروفيسورة نبيلة بن يحيى.
جدير بالذكر، أن رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، السيد عبد المجيد تبون، أشرف الخميس الماضي بالأكاديمية العسكرية لشرشال -تيبازة، الرئيس الراحل “هواري بومدين”، على مراسم الحفل السنوي لتخرج دفعات سنة 2026 التي حملت اسم الرئيس الراحل، المجاهد اليامين زروال.



