تعزيز جاذبية مناخ الأعمال وتسهيل حركية رؤوس الأموال
أكد أستاذ القانون، موسى بودهان، أن إطلاق منصة “الأبوستيل” الإلكترونية، نهاية الأسبوع الماضي، يجسد نقلة نوعية للجزائر، حيث سيتم توفير الوقت والمال عبر ختم موحد معترف به في أكثر من 120 دولة، ومن ثم يمتد لتعزيز مناخ الأعمال ودعم الطلبة والجالية بالخارج. وأوضح أن الأبعاد الأعمق لهذا التحول الرقمي تتجلى في ترسيخ الحوكمة الرشيدة، وتقريب الإدارة من المواطن، ومواءمة المنظومة التشريعية مع المعايير الدولية، مما ينعكس إيجابا على التنمية الشاملة.
اعتبر القانوني، موسى بودهان، أن الإطلاق الرسمي لمنصة “الأبوستيل” الإلكترونية عبر البوابة الوطنية للخدمات الرقمية الحكومية، يمثل نقلة نوعية في مسار تحديث الإدارة الجزائرية وتعزيز التحول الرقمي، تجسيدا للتطبيق الفعلي لاتفاقية لاهاي المؤرخة في 5 أكتوبر 1961، والتي دخلت حيز التنفيذ في 24 جانفي 1965، وتضم اليوم أكثر من 120 دولة موقعة.
وأوضح أستاذ القانون الدستوري بجامعة الجزائر، أن هذه الاتفاقية، التي تعرف أيضا باتفاقية إلغاء شرط التصديق على الوثائق العمومية الأجنبية، تهدف إلى تبسيط إجراءات التصديق على المستندات والعقود الدولية، وضمان تبادلها بين الدول بطريقة سلسة، سواء تعلق الأمر بالأعمال التجارية الدولية، أو المسائل القانونية، أو الشؤون الشخصية، مما يوفر للمستفيدين الوقت والجهد والمال، ويعفيهم من التعقيدات والإجراءات الإدارية الطويلة.
وحسب المتحدث، فإن هذا النظام الدولي يرتكز على فكرة تبسيط التبادل الوثائقي من خلال الاكتفاء بختم واحد يثبت صحة التوقيع، وصفة الموقع، وأصالة الختم الرسمي، دون المساس بالمضمون الجوهري للوثيقة. وتشمل هذه التسهيلات سلسلة متعددة من الوثائق، أبرزها شهادات الميلاد والزواج والوفاة، الشهادات الأكاديمية والدبلومات وكشوف النقاط والسجلات الدراسية، عقود الزواج والطلاق لأغراض الإجراءات القانونية أو الأسرية خارج الوطن، بالإضافة إلى المستندات التجارية كالسجل التجاري وعقود تأسيس الشركات والأحكام والقرارات القضائية. وتتضمن شهادة “الأبوستيل” معلومات أساسية مثل اسم الجهة المصدرة، والدولة العضو، وتاريخ الإصدار، وتوقيع الشخص المخول، ورقم تعريفي فريد، وترفق بالوثيقة المعنية لتصبح صالحة ومقبولة قانونا في جميع الدول الأعضاء.
وأوضح بودهان أن اتفاقية “الأبوستيل” تحقق جملة من الفوائد الجوهرية، في مقدمتها تبسيط الإجراءات والقضاء على البيروقراطية، إذ أصبح بإمكان الأفراد والشركات استخدام الوثائق دوليا دون المرور بمراحل معقدة ومكلفة.
كما توفر الوقت والجهد والمال مقارنة بطرق التصديق التقليدية، وتضمن اعترافا دوليا واسعا يمتد لأكثر من 120 دولة، وتسريع المعاملات الدولية التجارية والأكاديمية، وتعزيز الموثوقية القانونية من خلال تأكيد صحة الوثيقة وأصالتها. فضلا عن توحيد شكل التصديق عبر نموذج دولي موحد يحمل عبارة “Apostille – Convention de La Haye du 5 octobre 1961”، مما يسهل على السلطات الأجنبية التحقق من صحة الوثائق بسرعة ودقة.
تعزيــز جاذبيــة منـــاخ الأعمال
وفي السياق الجزائري، أوضح بودهان أن انضمام الجزائر الرسمي إلى هذه الاتفاقية، بموجب المرسوم الرئاسي رقم 25-217 المؤرخ في 4 أوت 2025، بدأ ينتج آثاره المباشرة على أرض الواقع.
حيث شرعت كل من وزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية، والمديرية العامة للضرائب، في تطبيق هذه الآلية، مما يتيح للمواطنين ابتداءً من 9 جويلية 2025 إيداع طلبات الحصول على شهادة “الأبوستيل” إلكترونيا عبر المنصة الوطنية، أو عبر الدوائر الإدارية لولاية الجزائر ودوائر مقرات الولايات بالنسبة لبقية ولايات الوطن.
وتتمثل الجهات المختصة في إصدار الشهادة بوزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، بعد استكمال التصديقات الأولية لدى الجهات المصدرة كوزارة العدل أو غيرها، وتسديد الرسوم المقررة، في إجراء لا يستغرق عادة سوى بضعة أيام.
ومن منظور اقتصادي واستثماري، تبرز أهمية هذا الإصلاح في تعزيز جاذبية مناخ الأعمال وتسهيل حركية رؤوس الأموال. فالاعتراف التلقائي بالوثائق يسهم في تسريع وتيرة العقود التجارية وتأسيس الشركات خارج الوطن، ويوفر بيئة محفزة وشفافة للمستثمرين.
كما يمثل هذا النظام دعما حقيقيا للطلبة الجزائريين الراغبين في استكمال دراستهم بالخارج، ولأفراد الجالية الوطنية، من خلال اختصار المسافات الإدارية وتسهيل الاعتراف بشهاداتهم وعقودهم دون الحاجة للرجوع إلى التمثيليات الدبلوماسية. وكما أكد الخبير بودهان أن صلاحية شهادة “الأبوستيل” لا ترتبط بمدة محددة، بل تبقى مرتبطة بصلاحية الوثيقة الأصلية المرفقة بها.
الحــدّ مــن العراقيـل البيروقراطيـة
كما أن انضمام الجزائر إلى العديد من الاتفاقيات الدولية، ومن بينها اتفاقية الأبوستيل، يمثل دعما إضافيا لهذا المسار الإصلاحي، ويعزز المنظومة التشريعية الوطنية.
كما أن الاتفاقيات الدولية التي يصادق عليها رئيس الجمهورية تحتل مكانة متقدمة في هرم القواعد القانونية، وذلك استنادا إلى المادة 154 من الدستور، التي تنص على أن: “الاتفاقيات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية، حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور، تسمو على القانون الوطني.” وبالتالي، فإن اتفاقية الأبوستيل أصبحت جزءا من المنظومة القانونية الوطنية، وتتمتع بقوة قانونية تسمح بتطبيق أحكامها وفقا للدستور.
وفي ختام تحليله، نبه الخبير الدستوري إلى أن نجاعة هذه الترسانة القانونية لا تقاس بحجم النصوص وحدها، وإنما بجودة تطبيقها على أرض الواقع، سواء فيما يتعلق بخدمة المواطنين أو المؤسسات أو المستثمرين أو المقيمين الأجانب. مؤكدا على الدور الجوهري لمؤسسات الرقابة، على غرار المفتشيات العامة على مستوى رئاسة الجمهورية والوزارات والولايات، استناداً إلى المادة 48 من الدستور التي تؤكد على دور مؤسسات الدولة وهيئاتها في ضمان احترام القانون ومراقبة أعمال الإدارات العمومية. كما يبرز دور البرلمان بغرفتيه، المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، في وظائفه التشريعية والرقابية، ودور وسيط الجمهورية بهياكله المركزية والمحلية، والولايات والبلديات في تقريب الإدارة من المواطن. فالتحول الإداري والرقمي يبقى الرافعة الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة، وتكريس مبادئ الحوكمة الرشيدة، وسيادة القانون، بما يخدم كما يجب أن نذكر دور البرلمان بغرفتيه، المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، من خلال وظائفه الدستورية المتمثلة في التشريع والرقابة والتمثيل، فضلاً عن التكفل بانشغالات المواطنين في إطار أحكام الدستور وقوانين الجمهورية.
يذكر أن اتفاقية الأبوستيل تعمل على تبسيط إجراءات التصديق على الوثائق العامة المخصصة للاستخدام الدولي، وذلك من خلال إصدار شهادة موحدة معترف بها بين الدول الأعضاء في الاتفاقية. كما يسهم هذا النظام في تقليل الأعباء الإدارية، وخفض التكاليف، وتسريع إجراءات الاعتراف بالمستندات أمام الجهات القضائية والإدارية في الدول الأجنبية، مما يجعل الأبوستيل أداة مهمة للأفراد والشركات والمؤسسات والحكومات التي تنخرط في المعاملات الدولية والإجراءات القانونية والإدارية والتجارية.




