أبرز المختص في الشأن الاقتصادي الدكتور عبد القادر لحول، أنّ سوق العمل في الجزائر يشهد تحوّلات هيكلية متسارعة تمليها التوجّهات الاقتصادية الجديدة نحو تنويع مصادر الدخل خارج المحروقات، والاعتماد المتزايد على الرقمنة والمؤسّسات الناشئة والمصغّرة، مضيفا أنه في ظل هذه الديناميكية المتسارعة، يبرز برنامج «صنعة» كخطوة حقيقية وعملية هامة جدا تلبّي متطلّبات الوضع الراهن من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية.
قال الدكتور لحول، في تصريح إعلامي لـ «الشعب»، إنّ «الجزائر عرفت قفزة نوعية حقيقية في فترة رئاسة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، نتيجة لاهتمامه الكبير وتركيزه على الشباب كأحد أهم أولوياته الرئيسية، حيث أسدى في عديد المرات تعليمات صارمة بضرورة الاهتمام أكثر بالشباب لبناء جزائر جديدة قوية تعتمد على نخبها وكفاءاتها من خريجي الجامعات والمدراس العليا والمراكز الوطنية، وكذا معاهد التكوين المهني المنتشرة عبر كافة ربوع الوطن».
ولدى تقييمه برنامج «صنعة» في ظل تحوّلات سوق العمل الوطنية، أوضح المتحدث أنّ سوق العمل اليوم في الجزائر لم يعد يبحث عن الشهادات الأكاديمية الجافة بقدر بحثه عن المهارة الجاهزة والتخصّصات الدقيقة والمطلوبة في سوق الشغل، وقال: «إنّ برنامج (صنعة) يأتي في توقيت مناسب جدّا للقضاء على الفجوة بين منظومة التكوين التقليدية والاحتياجات الآنية للمؤسّسات الاقتصادية»، مؤكّدا أنّ البرنامج يمثل استجابة مرنة لمتطلبات السوق الوطنية، التي باتت تفرض التخلّي عن الأنماط الكلاسيكية للتوظيف والتوجّه نحو المهن الحرة والنشاطات الأكثر حيوية.
وبخصوص دور برامج التكوين المهني القصيرة في سدّ الاحتياجات، أوضح الدكتور لحول، أنّ برامج التكوين القصيرة تتميّز بالمرونة والسرعة، فضلا على أنّ المؤسّسات الاقتصادية (خاصة في قطاعات مثل الفلاحة، البناء، الخدمات، والرقمنة) لا تملك دائما الوقت الكافي لانتظار مسارات تكوينية تدوم لسنوات، لذا، فإنّ التكوين المكثف والهادف يسمح بضخ كفاءات مهنية في السوق بسرعة، ويسدّ العجز الناتج عن التغيّرات التكنولوجية أو ظهور أنشطة استثمارية جديدة في الولايات المختلفة.
وعن مساهمة برنامج التكوين «صنعة» في إدماج الشباب والحدّ من البطالة، قال المختص الاقتصادي إنّ «البطالة في كثير من الأحيان ليست ناتجة عن انعدام مناصب الشغل، بل عن عدم توافق المهارات»، مضيفا أنّ التكوينات التطبيقية تمنح الشاب الجزائري ثقة فورية في قدراته، لأنها تخرجه من الجانب النظري إلى الجانب العملي مباشرة، وهذا النوع من التعليم التطبيقي يرفع -بحسبه- من قابلية التشغيل لدى الشباب، ممّا يسهّل إدماجهم في النسيج الاقتصادي المحلي ويقلّص معدلات البطالة بشكل ملموس.
أمّا بخصوص الأثر الاقتصادي المتوقّع لتكوين أكثر من 114 ألف شاب، أكّد لحول أنّ رقم 114 ألف شاب جزائري ليس مجرّد عدد جامد، بل هو كتلة حيوية قادرة على إحداث فارق في الاقتصاد الكلي وفي منظومة العمل خاصة والمنظومة الاجتماعية عامة، فمن الناحية الاقتصادية، يتوقّع تخفيف العبء المالي عن الدولة، من خلال تحول هؤلاء الشباب من طالبي عمل (أو مستفيدين من منحة البطالة) إلى منتجين ومساهمين في الجباية العادية، وكذا رفع الإنتاجية المحلية، حيث أنّ توفّر عمالة مؤهّلة يرفع من كفاءة المؤسّسات الوطنية ويقلّل من نسب الهدر والخطأ في الإنتاج، وهو ما سيساهم مثلما قال في «تحفيز الحركية الاقتصادية، من خلال مساهمة هذه القوة العاملة في تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، عبر زيادة الاستهلاك والإنتاج محليا».
وعما إذا كان برنامج «صنعة» يشجّع الشباب على التوجّه للعمل الحرّ وإنشاء المؤسّسات المصغّرة، أوضح الدكتور لحول أنّ برنامج «صنعة» يحمل في طياته بذور حقيقية للفكر المقاولاتي، فعندما يكتسب الشاب حرفة أو مهارة تطبيقية قوية، فإنه لا ينتظر وظيفة مكتبية، بل يتولّد لديه حافز طبيعي ليكون سيّد عمله ومنتج يسعى لسدّ احتياجات السوق.
وأضاف أنّ هذا البرنامج يتكامل بشكل مثالي مع آليات دعم الدولة الحالية (مثل الوكالة الوطنية لدعم وتنمية المقاولاتية، وصيغ التمويل الإسلامي للمؤسّسات المصغّرة)، ممّا يدفع الشباب نحو تأسيس ورشاتهم ومؤسّساتهم الخاصة، والتحول من طالبي عمل إلى مستحدثي مناصب شغل لهم ولمن هم حولهم (أقارب، أصدقاء، زملاء دراسة أو تخصّص).
وعن الشروط الكفيلة بضمان استدامة نتائج البرنامج، قال الدكتور لحول إنه «لضمان ألا تذهب هذه الجهود سدى، ولتحويل المهارات المكتسبة إلى فرص عمل مستدامة ومشاريع منتجة، يجب التركيز على جملة من الشروط» ذكر منها المرافقة البعدية والمستمرة، حيث لا ينتهي دور البرنامج بمنح الشهادة الورقية فقط، بل يجب مرافقة المتخرّجين في خطواتهم الأولى لإنشاء مشاريعهم وتسهيل حصولهم على العقار الاقتصادي المصغّر أو المحلات، وكذا تسهيل الوصول إلى التمويل، من خلال تفعيل دور الصيرفة الإسلامية وآليات التمويل البديل، لتمكين هؤلاء الشباب من اقتناء المعدات الأولية لإطلاق نشاطاتهم دون عراقيل بيروقراطية. بالإضافة إلى التحيين المستمر للبرامج، حيث قال: «إن ما يميّز سوق العمل أنه متقلّب وعدواني لا يفتح ذراعيه للجميع، بل يعصف بقوة ليرى من له القدرة على البقاء والاستمرارية، وما هو مطلوب اليوم قد يتغيّر بعد عامين»، مشدّدا على ضرورة أن تظل التخصّصات المدرجة في «صنعة» مرنة وقابلة للتعديل بناء على دراسات استشرافية دقيقة للسوق الجزائرية، تأخذ برأي عديد الوزارات المعنية ومختلف الخبراء والمستشارين المعتمدين.
ومن بين الشروط الكفيلة كذلك بضمان استدامة نتائج برنامج «صنعة» الشراكة مع القطاع الخاص، حيث يستدعي الأمر إشراك المتعاملين الاقتصاديّين الخواص في صياغة المحتوى التدريبي، وفي استيعاب نسب من هؤلاء المتكوّنين عبر عقود تمهين وتشغيل مباشرة.
وثمّن الدكتور لحول الاستراتيجية الوطنية المنتهجة في هذا المجال، مشدّدا على ضرورة الاستثمار في رأس المال البشري، لأنه الاستثمار الحقيقي الوحيد الذي يضمن السيادة الاقتصادية والأمن الغذائي والرّقمي للبلاد مثلما ذكر.
وأضاف أنّ برنامج «صنعة» يمثل حجر زاوية هام، شرط أن يحاط ببيئة استثمارية مرنة، تتيح لهؤلاء الشباب تحويل طاقاتهم ومهاراتهم إلى ثروة حقيقية تخدم الجزائر، وتعزّز مكانتها إفريقيا وحتى عالميا كأحد أهم الاقتصاديات الناشئة الحديثة.





