أكدت الدبلوماسية الجزائرية مرة أخرى فعالية مقاربتها المبنية على الحوار وحسن الجوار في تفكيك الأزمات، حيث سمحت هذه المقاربة بإنهاء أزمة دبلوماسية مع الجارة الجنوبية مالي التي يجمعها مع الجزائر علاقات إنسانية وتاريخية عريقة.
بعيدا عن دبلوماسية مكبر الصوت، أعلنت الجزائر فتح المجال الجوي أمام الطيران المدني من وإلى مالي، ليعلن بعدها عن استئناف سفيري البلدين لمهامهما لدى كل من الجزائر ومالي.
وبذلك تكون العلاقات بين الجزائر ومالي، قد عادت إلى طبيعتها ابتداء من يوم الجمعة، ومن الواضح أن الجزائر وكما تفعل دائما، أعلت مرة أخرى المبادئ الراسخة في سياستها الخارجية، المؤسسة على الحوار وحسن الجوار ونبذ العنف وتغليب الحلول السلمية وقت الأزمات.
كما يندرج المسعى برأي مراقبين في إطار سياستها تجاه دول المنطقة، الرامية إلى تفعيل التكامل والاندماج الجهوي في إطار أشمل هو التكامل والاندماج القاري الذي تسعى الجزائر إلى تحقيقه من أجل الصالح العام لبلدان المنطقة وأفريقيا ككل.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، خلال آخر لقاء مع وسائل الإعلام، وعقب أعمال العنف بين حركات الشمال والنظام الحاكم في الجنوب، أن الجزائر على استعداد لمساعدة مالي على تجاوز الأزمة الحالية وتعقيداتها، مبرزا أن الجزائر دائما تلبي النداء لمساعدة أشقائها قائلا: “إذا طلبوا مساعدتنا فنحن جاهزون كما كنا دائماً منذ الستينيات بحكم الأخوة والجوار”.
وأضاف الرئيس آنذاك أنه : “لم يتأخر الوقت بعد للعودة إلى الحكمة، وأتطلع إلى أن يتجاوز الماليون هذا الوضع”، مضيفاً أن “الحل الوحيد هو العودة إلى الحوار مع الماليين، ويمكن العودة إلى دستورية المسار، لقد قلنا ذلك قبل عامين، وشدد على أن “اتفاق السلم والمصالحة، ليس جزائريا خالصا، بل كان بطلب من الماليين وبرعاية أممية وأفريقية وتم بين الماليين أنفسهم”.
وهو الموقف الثابت للجزائر من الأزمة الممتدة هناك، حيث التزمت دائما بمبدأ احترام السيادة المالية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وكانت الوسيط النزيه، الذي يلبي طلب أطراف النزاع الذي اندلع في ستينات القرن الماضي، واستطاعت في كل مرة إخماد صوت الرصاص بصوت الحكمة، ووقعت اتفاقات سلام في الجزائر للنزاعات من 1962 إلى غاية 2012 الذي انتهى بتوقيع إعلان السلام في 2015.
وتفتح عودة انفراج العلاقات بين الدولتين الجارتين آفاقا واعدة لاستئناف التعاون الثنائي بين البلدين، على أساس تغليب الحكمة والمصالح المشتركة لشعوب المنطقة، التي تتوق إلى السلم والاستقرار، عبر حلول مستدامة تقوم على الخيارات الوطنية، والتضامن الإقليمي.
وتؤكد الجزائر مجددا أنها تمد يدها لدول الجوار لتجاوز أية توترات أو سوء تفاهم، من أجل الصالح العام للشعوب الأفريقية كي تعيش في رفاه بعيدا عن ضنك النزاعات التي تعطل التنمية وتبقي الشعوب متخلفة وغير قادرة على استغلال ثرواتها، ناهيك عن فتح الباب أمام التدخل الخارجي الذي لن يزيد الأمور إلا سوءا.




