مواكبة المشاريع التنموية والاستجابة لمتطلبات المؤسسات الاقتصادية
تعبئة أكثر من 600 مؤسسة تكوينية و2000 مكون ومؤطر
يعزّز قطاع التكوين والتعليم المهنيّين، حضوره في مجال تأهيل الموارد البشرية من خلال برنامج «صنعة»، الذي أصبح من أهم أبرز المبادرات الوطنية الموجّهة لتمكين الشباب من اكتساب مهارات مهنية مطلوبة في سوق العمل، وإعادة الاعتبار للمهن التقنية والحرفية على اعتبار أنها ركيزة أساسية لدعم النشاط الاقتصادي ومرافقة ديناميكية التنمية المحلية والوطنية، ويأتي هذا البرنامج في ظل الحركية الاقتصادية التي تشهدها الجزائر، وتزايد الحاجة إلى يد عاملة مؤهّلة، قادرة على مواكبة المشاريع التنموية والاستجابة لمتطلبات المؤسّسات الاقتصادية.
تعكس الأرقام المسجّلة منذ إطلاق برنامج «صنعة» حجم الاهتمام الذي يحظى به عند الشباب، فقد بلغ عدد المسجّلين عبر المنصة الرقمية الوطنية 173 ألفا و800 شاب وشابة خلال فترة التسجيل الممتدة من 31 ماي إلى 4 جوان 2026، تمّ قبول وتوجيه 114 ألفا و133 مستفيدا نحو التخصّصات التي تتوافق مع اختياراتهم وقدراتهم، وهو ما يؤكّد وجود طلب متزايد على التكوينات المهنية التطبيقية، التي تمنح مهارات عملية قابلة للتوظيف والاستثمار.
أكبر عملية تكوين صيفية موجّهة للشباب
يعد برنامج «صنعة» أول مبادرة وطنية بهذا الحجم تستهدف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و27 سنة، بما في ذلك التلاميذ والطلبة الجامعيّون وغيرهم من الراغبين في اكتساب مهارات مهنية خلال العطلة الصيفية.
ولضمان نجاح هذه العملية، سخّرت وزارة التكوين والتعليم المهنيين إمكانات بشرية ومادية معتبرة، من خلال فتح أكثر من 600 مركز ومعهد للتكوين والتعليم المهنيّين عبر الولايات المعنية، كما جنّدت أزيد من 2000 مكوّن ومؤطّر للإشراف على العملية ومرافقة المستفيدين طوال فترة التكوين.
وتعكس هذه الأرقام حجم الاستثمار الذي توجّهه الدولة نحو تنمية الموارد البشرية، باعتبارها الرّكيزة الأساسية لأي مسار تنموي مستدام، خاصة في ظل التوجه نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعا يعتمد على الكفاءة والإنتاجية والابتكار.
تخصّصات مطلوبة وفق احتياجات السوق
استند اختيار التخصّصات المدرجة ضمن البرنامج إلى الاحتياجات المطلوبة في سوق العمل الوطنية، حيث يشمل البرنامج ستّ تخصّصات مهنية تتمثل في الطلاء، الكهرباء المعمارية، التجبـيس وBA13، الترصيص، التلحيم، والتبريد والتكييف.
وتعتبر هذه المهن من بين أكثر التخصّصات المطلوبة في قطاعات البناء والأشغال العمومية والخدمات والصيانة والتجهيزات التقنية، وهي قطاعات تشهد نموا متزايدا وتحتاج باستمرار إلى عمّال مؤهّلين يمتلكون الحد الأدنى من المهارات المهنية، التي تسمح لهم بالاندماج السريع في العمل.
ويرى مختصّون أنّ أحد التحديات التي تواجه سوق العمل لا يكمن فقط في توفير مناصب الشغل، وإنما في توفير الكفاءات القادرة على شغلها، وهو ما يجعل مثل هذه البرامج أداة فعّالة لتقليص الفجوة بين العرض والطلب في سوق التشغيل.
من ثقافة البحث عن وظيفة إلى اكتساب المهارة
يستفيد المتربّصون ضمن برنامج «صنعة» من 90 ساعة تكوين مخصّصة لاكتساب أساسيات المهنة وأبجدياتها، بما يسمح لهم بالتعرّف على الجوانب النظرية والتطبيقية للمهن المختارة. وبالرغم من قصر مدة التكوين مقارنة بالمسارات المهنية الكلاسيكية، إلّا أنّ الهدف من هذا البرنامج هو تزويد الشباب بقاعدة أولية من المهارات العملية، التي تمكّنهم من اتخاذ خطوة أولى نحو التخصّص أو الاندماج المهني.
ويؤكّد خبراء أنّ البرامج القصيرة أصبحت معتمدة في العديد من دول العالم، كآلية فعالة لاكتشاف الميول المهنية للشباب، وتمكينهم من مهارات سريعة الاستعمال، خاصة في القطاعات التي تعرف طلبا مرتفعا على اليد العاملة.
كما تتيح هذه التكوينات فرصة مهمة لفئة واسعة من الشباب، الذين لم يسبق لهم الاحتكاك بعالم المهن والحرف، ما يساعدهم على اكتشاف قدراتهم المهنية واختيار مسارات مستقبلية أكثر انسجاما مع احتياجات السوق.
إعادة الاعتبار للمهن الحرفية
من بين الأهداف التي يحملها البرنامج، تغيير الصورة النمطية السائدة حول بعض المهن الحرفية والتقنية، والتي ظلّت لسنوات طويلة تعاني من ضعف الإقبال رغم أهميتها الاقتصادية.
ففي العديد من الاقتصادات الناجحة، تشكّل المهن التقنية قاعدة أساسية للإنتاج والخدمات، كما توفّر فرصا معتبرة لتحقيق الاستقلالية المالية، ومن هذا المنطلق، يسعى برنامج «صنعة» إلى ترسيخ ثقافة جديدة لدى الشباب قوامها أنّ المهارة والإتقان يمثلان رأسمالا حقيقيا لا يقل أهمية عن الشهادات الأكاديمية.
دعم المقاولاتية والعمل الحرّ
لا يقتصر أثر البرنامج على توفير فرص الإدماج في المؤسّسات الاقتصادية فقط، بل يمتد إلى تشجيع ثقافة المقاولاتية والعمل الحرّ، فالتخصّصات المقترحة تندرج ضمن الأنشطة التي يمكن ممارستها بشكل مستقل أو في إطار مؤسّسات مصغّرة، وهو ما ينسجم مع التوجّهات الوطنية الرامية إلى تشجيع المبادرة الفردية وخلق الثروة محليا.
ويؤكّد مختصّون أنّ امتلاك مهارة مهنية يبقى الخطوة الأولى نحو إطلاق مشروع خاص، خاصة في القطاعات المرتبطة بالخدمات والصيانة والبناء، التي تعرف طلبا متواصلا من قبل الأفراد والمؤسّسات.
استثمار في رأس المال البشري
يجمع المختصّون على أنّ الاستثمار في تكوين الشباب وتأهيلهم مهنيا يعد من أكثر الاستثمارات ذات المردودية على المدى البعيد، لأنها تنعكس مباشرة على الإنتاجية والتشغيل والنمو الاقتصادي.
وفي هذا السياق، يمثل برنامج «صنعة» نموذجا عمليا لتقريب التكوين من الواقع الاقتصادي وربط المهارات باحتياجات السوق.
وبالأرقام، فإنّ توجيه أكثر من 114 ألف مستفيد نحو تكوينات مهنية تطبيقية في ظرف زمني وجيز، وتعبئة أكثر من 600 مؤسّسة تكوينية و2000 مكوّن ومؤطّر، يعكس حجم الرهان الذي تضعه السلطات العمومية على التكوين المهني كرافعة للتنمية، وكخيار استراتيجي لإعداد جيل جديد من الكفاءات قادر على المساهمة في بناء اقتصاد منتج وأكثر تنافسية.





