قرار تاريخي غير مسبوق لدعم المواطن.. والعدالـــة بالمرصــاد لقـــوى الشــرّ
أعادت التحقيقات المتعلقة بعملية استيراد أضاحي عيد الأضحى لسنة 2026 ملف مكافحة الفساد إلى واجهة النقاش في الجزائر، بعد أن كشفت المتابعة القضائية الأولية عن شبهات مسّت عدة مراحل من العملية، بداية من إبرام الصفقات وإجراءات الاستيراد، وصولا إلى الجوانب الصحية والبيطرية والمالية والتعاقدية.
كان رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، قد أمر خلال اجتماع مجلس الوزراء المنعقد يوم 7 جوان الماضي، بفتح تحقيق حول النقائص المسجّلة في استيراد أضاحي العيد، بعد ظهور اختلالات في التنظيم والتوزيع وعدم وصول الأضاحي إلى بعض المسجّلين في الآجال المحدّدة، إلى جانب تسجيل تفاوت في تنفيذ العملية بين الولايات.وجاء القرار بعد عملية واسعة سخّرت لها الدولة الجزائرية إمكانات مالية وتنظيمية مهمة لاستيراد مليون رأس من الغنم، بهدف توفير الأضاحي بسعر لا يتجاوز 50 ألف دينار وحماية المواطنين من المضاربة والارتفاع الكبير للأسعار. كما كان رئيس الجمهورية قد شدّد، قبل العيد، على ضرورة تسريع عملية الاستيراد والتوزيع وإنجاحها في أحسن الظروف.
المحاسبة قاعدة في تسيير المال العام
يؤكّد العديد من المتابعين أنّ أهمية هذا الملف لا ترتبط فقط بحجم عملية الاستيراد أو بعدد الأشخاص محل المتابعة القضائية الآن، بل تكمن في أنّ المبادرات الاجتماعية التي تطلقها الدولة لخدمة المواطن تخضع هي الأخرى للرّقابة والتقييم والمحاسبة. فلا يمكن القبول بأن تتحول عملية موجّهة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين إلى مجال لتحقيق مصالح خاصة أو استغلال النفوذ أو تبديد المال العام.وفي هذا الإطار، أكّد الدكتور جيدل إسماعيل، أستاذ السياسات العامة، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، يقود عملا متواصلا وتاريخيا في مجال مكافحة الفساد، لا يقوم على الرّدع والمحاسبة فقط، بل يسعى إلى جعل العقاب نتيجة حتمية لكل من يثبت تورّطه في المساس بالمال العام أو استغلال الوظيفة.وأضاف الدكتور جيدل، أنّ بعض العقليات داخل مؤسّسات الدولة استسهلت الفساد خلال مراحل سابقة، بعدما اعتقد أصحابها أنهم محصّنون من المتابعة، غير أنّ التحقيق في ملف الأضاحي يؤكّد أنّ لا أحد، مهما كانت وظيفته أو سلطته، يوجد فوق العدالة.وأضاف أنّ مواصلة هذا النهج تبقى ضرورية للقضاء تدريجيا على ثقافة الإفلات من العقاب، لأنّ الفساد لا يعالج بالحملات المؤقتة، وإنما بعمل مؤسّساتي دائم يجمع بين الوقاية والرقابة والشفافية وسرعة تحريك الدعوى العمومية عند ظهور أدلة أو شبهات جدية.كذلك، فإنّ الفساد، يضيف المتحدث، ليس مشكلة جزائرية منفصلة عن محيطها الدولي، بل ظاهرة تواجه مختلف الدول، بما فيها الدول التي تمتلك مؤسّسات رقابية متقدمة. وقد صنّف مؤشّر مدركات الفساد لسنة 2025 ما مجموعه 182 دولة وإقليميا، فيما أكّدت منظمة الشفافية الدولية أنّ دول العالم بشكل عام بحاجة مستمرة إلى مؤسسات أكثر فعالية وآليات أقوى للمساءلة وحماية المبلّغين ومكافحة الفساد وطرقه المستحدثة.
بالإضافة إلى ذلك، يقحم في مساعي مكافحة الآفة، مسؤولية المواطن في دعم جهود مكافحة الفساد، من خلال التبليغ عن التجاوزات وتقديم المعلومات للجهات المختصة وعدم الاكتفاء بتداول الاتهامات عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فالدولة تتكون من مؤسّسات ومسؤولين وموظّفين، وقد يقع الخطأ أو سوء التسيير أو الفساد داخل أي إدارة، لكن المعيار الحقيقي هو قدرة المؤسّسات على اكتشاف الخلل والتحقيق فيه ومحاسبة المسؤول عنه.
وأشار جيدل، إلى أنّ ما وقع في قضية الأضاحي، يبين أنّ الدولة هي التي أمرت بالتحقيق، وأنّ العدالة تحرّكت لمتابعة المشتبه فيهم، بصرف النظر عن مناصبهم أو الجهات التي ينتمون إليها. ومن هنا، فإنّ مكافحة الفساد تتم عن طريق القضاء وأجهزة رقابة فعّالة، إلى جانب دور المواطن الواع الذي يحرص على الصالح العام، ويعلي المصلحة العليا للدولة ولا يتغاضى عن السلوكيات المشينة لأفراد داخل إدارة معينة.




