إعادة فتح المجال الجوي بين البلدين.. دلالات تتجاوز البُعد التقني
قررت الجزائر إعادة فتح مجالها الجوي أمام الطائرات المالية، في خطوة رسمت عودة العلاقات الطبيعية بين البلدين بعد استئناف سفيرا البلدين لمهامهما، ويأتي هذا القرار في ظرف إقليمي بالغ الحساسية، يتزامن مع تصاعد التحديات الأمنية في منطقة الساحل.
في قراءة لأبعاد هذا التطور، يرى المحلل السياسي والباحث في الدراسات الأمنية الإستراتيجية، الدكتور عمار سيغة، في تصريح لـ”الشعب”، أن إعادة فتح المجال الجوي تحمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز بعدها التقني، وتعكس بداية إعادة تموضع في العلاقات بين الجزائر ومالي، فرضتها المعطيات الميدانية والاعتبارات التاريخية والبراغماتية، في ظل إدراك السلطات المالية للدور المحوري الذي تضطلع به الجزائر في دعم أمن واستقرار منطقة الساحل.
وأوضح سيغة، أن قرار إعادة فتح المجال الجوي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره إجراءً إدارياً أو تقنياً يتعلق بحركة الطيران فقط، بل يمثل مؤشراً سياسياً ودبلوماسياً يعكس بداية العودة إلى وضع طبيعي للعلاقة بين الجزائر وباماكو، ويرى أن التطورات الميدانية التي تشهدها مالي، خاصة في المناطق الشمالية، فرضت واقعاً جديداً دفع السلطات المالية إلى إعادة تقييم مواقفها، انطلاقاً من قناعة بأن معالجة التحديات الأمنية لم تعد ممكنة في ظل استمرار القطيعة مع الجزائر.
وأكد الباحث أن الضغوط الأمنية المتزايدة التي يواجهها الجيش المالي وحلفاؤه، جعلت المجلس العسكري في باماكو يدرك أن استعادة الاستقرار في شمال البلاد تبقى مهمة معقدة، وأن تحقيقها يقتضي قدرا من الحكمة، مضيفا أن الجزائر حافظت، رغم ما شهدته العلاقات الثنائية من فتور، على مكانتها كطرف رئيسي في معادلة الأمن الإقليمي، ليس فقط بسبب حدودها الطويلة مع مالي، وإنما أيضاً لما راكمته من خبرة في رعاية مسارات الحوار والمصالحة بين الفرقاء الماليين، إلى جانب تمسكها الدائم بمبدأ الحلول السياسية ورفض اللجوء إلى الخيارات التي من شأنها تعقيد الأوضاع في المنطقة. ويرى أن هذه المعطيات جعلت الجزائر شريكاً لا يمكن تجاوزه في أي مقاربة تهدف إلى استعادة الاستقرار في مالي.
ومن زاوية أخرى، اعتبر الباحث أن إعادة فتح المجال الجوي تعكس أيضاً حاجة لوجستية واضحة لدى السلطات المالية، في ظل الظروف الأمنية المعقدة التي تشهدها منطقة الساحل. فالجزائر، بحسبه، تمثل ممراً جوياً واستراتيجياً مهماً لحركة الطيران والإمدادات، وهو ما يمنح هذا القرار أبعاداً عملية تتجاوز الجوانب السياسية والدبلوماسية، ويؤكد أن الاعتبارات الميدانية أصبحت تفرض نفسها على حساب منطق التصعيد.
وأشار سيغة إلى أن المجلس العسكري في باماكو يبدو أنه توصل إلى قناعة بأن سياسة القطيعة مع الجزائر لم تحقق النتائج التي كان يأملها، بل ساهمت في تعقيد الوضعين الأمني والدبلوماسي، وزادت من الضغوط التي تواجهها مالي على أكثر من صعيد، مضيفا هذا الإدراك يفسر التحول الذي طرأ على الخطاب الرسمي المالي، والذي أصبح يتحدث عن “إعادة الديناميكية لعلاقات التعاون والصداقة”، وهو ما يعكس، حسب رأيه، تراجعا عن مرحلة التصعيد، ورغبة في فتح صفحة جديدة تقوم على الواقعية السياسية والمصالح المشتركة.
ويرى سيغة أن هذا التحول لا يمكن فصله عن طبيعة المتغيرات التي تشهدها منطقة الساحل، حيث فرضت التهديدات العابرة للحدود، من إرهاب وجريمة منظمة وتهريب واتجار بالبشر، على دول المنطقة إعادة النظر في أنماط تعاونها. وأثبتت التجارب، حسبه، أن مواجهة هذه التحديات بصورة منفردة لم تعد مجدية، بل تستدعي تنسيقاً إقليمياً قائماً على تبادل المعلومات وتعزيز التعاون الأمني واحترام سيادة الدول.
وأكد الباحث أن الجزائر ظلت، على امتداد السنوات الماضية، تدافع عن مقاربة سياسية لمعالجة أزمات الساحل، ترتكز على الحوار بين الأطراف الوطنية، ورفض التدخلات الأجنبية، واحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية، وهي المبادئ التي أكسبتها مصداقية على المستويين الإقليمي والدولي، ورسخت مكانتها كفاعل محوري في جهود تحقيق الأمن والاستقرار بالمنطقة.
وأكد أن الجزائر ستظل، بحكم ثقلها الإقليمي وموقعها الاستراتيجي وتجربتها في إدارة أزمات الساحل، شريكاً أساسياً في أي مسعى يرمي إلى تحقيق الاستقرار، وهو ما يفرض على مختلف الأطراف تغليب منطق الحوار والتعاون على حساب الخلافات الظرفية، خدمةً لأمن المنطقة ومصالح شعوبها.



