تملك الجزائر وألمانيا علاقات سياسية مستقرة واحترام متبادل على مر عقود، وهذا العامل يمنح البلدين مساحة أكبر لبناء شراكة اقتصادية تقوم على المصالح المتبادلة، خاصة أن الجزائر تبحث عن استثمارات منتجة ونقل للتكنولوجيا، فيما تعمل ألمانيا على تنويع شركائها في مجال الطاقة وتأمين احتياجات صناعتها خلال السنوات المقبلة أو حتى العقود المقبلة.
أظهرت الصحافة الألمانية اهتماما واضحا بالزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية، إذ ذكرت صحيفة «هاندلسبلات» أن برلين تتجه إلى توسيع شراكتها الطاقوية مع الجزائر، مع بحث زيادة إمدادات الغاز الطبيعي المسال والتعاون في خفض انبعاثات الميثان. وأوضحت الصحيفة أن ملفات الطاقة بشكل عام ستكون حاضرة خلال لقاءات رئيس الجمهورية مع الرئيس الألماني والمستشار فريدريش ميرتس، وهو ما يعكس أهمية الجزائر في الحسابات الطاقوية الألمانية.
غير أن فرص التعاون بين البلدين لا تتوقف عند الغاز. فألمانيا تحتاج إلى كميات كبيرة من الهيدروجين الأخضر لتشغيل قطاعات صناعية يصعب تحويلها مباشرة إلى الكهرباء، على غرار صناعة الحديد والصلب والكيمياء والنقل الثقيل. وتقدر الإستراتيجية الألمانية أن الواردات ستغطي بين 50 و70 بالمائة من حاجات البلاد إلى الهيدروجين ومشتقاته في آفاق 2030، لذلك تبحث برلين عن شركاء يملكون موارد طبيعية وموقعا قريبا وبنية تحتية قابلة للتطوير.
الطاقـة مدخــل لتعــاون أوســــع
بالنسبة للجزائر، تتوفر عدة عوامل تجعلها شريكا مناسبا وجاهزا في هذا المجال، من بينها المساحات الواسعة والإمكانات الكبيرة لإنتاج الطاقة الشمسية، إلى جانب خبرتها في إنتاج الغاز ونقله نحو أوروبا وامتلاكها لبنية تحتية جاهزة. كما أن القرب الجغرافي ووجود شبكة أنابيب تربط الجزائر بأوروبا يمنحان المشاريع الجزائرية أفضلية مقارنة بمصادر أخرى بعيدة تحتاج إلى تكاليف نقل مرتفعة.
وفي سياق متصل، سبق للجزائر وألمانيا أن أنشأتا فريق عمل مشتركا حول الهيدروجين الأخضر في فيفري 2024، بهدف بحث الإنتاج والتخزين والنقل وتوفير الظروف المناسبة للاستثمار، كما انخرط البلدان في مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين، الذي يفترض أن ينقل الهيدروجين المنتج في شمال إفريقيا عبر تونس وإيطاليا والنمسا وصولا إلى جنوب ألمانيا.
ويضاف إلى ذلك مشروع «DigiEnR» الذي وقعت اتفاقية تنفيذه بين وزارة الطاقة والطاقات المتجددة والوكالة الألمانية للتعاون الدولي. ويهدف المشروع إلى رقمنة إدماج الطاقات المتجددة في الشبكة الكهربائية الوطنية، وتحسين تسيير الشبكات وأدوات التخطيط، إلى جانب تكوين الإطارات والتقنيين الجزائريين.وتكمن أهمية هذا المشروع في أن توسيع إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة يحتاج إلى شبكة قادرة على استقبال كميات متزايدة من الطاقة وتوزيعها بطريقة مستقرة. وتسعى الجزائر إلى بلوغ قدرة قدرها 15 ألف ميغاواط من الطاقة الشمسية بحلول 2035، وهو هدف يتطلب تحديث شبكات الجهد المتوسط والمنخفض، وتطوير أنظمة المراقبة والتوقع وإدارة الإنتاج.
وتسعى الجزائر أن لا يُحصر التعاون بين البلدين على إنتاج الطاقة وتصديرها، وذلك من خلال ربط مشاريع الهيدروجين والطاقة الشمسية بقاعدة صناعية محلية، تشمل تصنيع بعض التجهيزات والمكونات، وصيانة المحطات، وتطوير البرمجيات، وتكوين اليد العاملة، إضافة إلى إنتاج مشتقات ذات قيمة أكبر مثل الأمونيا الخضراء والأسمدة والحديد منخفض الإنبعاثات.
كذلك، يمكن توسيع التعاون نحو الصناعات الميكانيكية والكهربائية وصناعة السيارات، وقد نظمت الغرفة الجزائرية الألمانية للصناعة والتجارة، بين 28 جوان و3 جويلية الجاري، زيارة لوفد من الشركات الألمانية العاملة في صناعة السيارات والتجهيزات، بهدف التعرف على السوق الجزائرية والبحث عن شركاء محليين. وتنسجم هذه الخطوة مع توجه الجزائر نحو رفع نسبة الإدماج وتطوير شبكة المناولة، بدل الاكتفاء بتركيب المركبات المستوردة في شكل أجزاء.
وتملك الشركات الألمانية خبرة مهمة في صناعة قطع الغيار والهندسة وأنظمة الجودة والتكوين المهني، وهي مجالات تحتاج إليها الجزائر لتطوير صناعة سيارات قابلة للاستمرار. وفي المقابل، توفر السوق الجزائرية حجما مهما من الطلب، وموقعا يسمح بالتوجه نحو الأسواق الإفريقية، إلى جانب توفر الطاقة والمواد الأولية واليد العاملة.
ومن شأن زيارة رئيس الجمهورية إلى ألمانيا أن تمنح دفعا سياسيا لهذه المشاريع، وذلك لاستغلال الفرض المتاحة لاسيما وأن العالم يشهد أزمة طاقة غير مسبوقة، لا تتعلق بالإنتاج فقط بل ترتبط كذلك بالممرات المائية وطرق النقل وجيوسياسية الطاقة، وهناك توجه عالمي خاصة من الدول الصناعية الكبرى لتأمين حاجاتها الطاقوية من مصادر قريبة وموثوقة، وهي فرصة للجزائر لتصبح لاعبا أكثر تأثيرا في أسواق الطاقة لاسيما الطاقات المتجددة بمختلف أشكالها، كما توفر ألمانيا فرصا هائلة للجزائر لدعم قطاعها الصناعي الناشئ ونقل الخبرات الألمانية والتكنولوجيا.


