توصيـات بإنشــاء مرصـد إفريقــي لتوثيــق الذاكــــرة المسرحيـــة الإفريقيـــة
احتضن المسرح الوطني محي الدين بشطارزي، ضمن فعاليات “مهرجان الجزائر الإفريقي للمسرح الجامعي”، أشغال الملتقى الدولي في طبعته الأولى، الموسوم بـ«الممارسة المسرحية في إفريقيا.. تجارب الركح وآفاق التأطير الأكاديمي”، بمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين والمسرحيين من مختلف الدول الإفريقية والعربية. وشكّل اللقاء فضاء للنقاش العلمي وتبادل الخبرات حول واقع المسرح الإفريقي، وآليات تطويره من خلال ربط الممارسة الفنية بالبحث الأكاديمي، بما يرسّخ مكانة المسرح الجامعي كحاضنة للإبداع والتكوين.
أكد محافظ مهرجان الجزائر الإفريقي للمسرح الجامعي، عز الدين ربيقة، خلال افتتاح أشغال الملتقى، أن هذا اللقاء العلمي يأتي ضمن البرنامج العام للمهرجان، الذي يضمّ عروض المنافسة، والعروض خارج المنافسة، ومسرح الشارع، إلى جانب الندوات الفكرية، بهدف بناء رؤية علمية تؤسس لممارسة مسرحية جامعية مستدامة.
وأوضح أن الملتقى لا يكتفي بعرض التجارب، وإنما يسعى إلى وضع أرضية أكاديمية حقيقية تنطلق منها الجامعات والمؤسسات الثقافية الإفريقية نحو عمل جماعي مؤسس، يواكب التوجّه الذي تنتهجه الجزائر في تعزيز بعدها الإفريقي، مشيدا بالجهود التي بذلها الأساتذة والباحثون لإنجاح هذا الموعد العلمي.
في مداخلته الموسومة بـ«تجارب الركح وآفاق التأطير الأكاديمي في الممارسة المسرحية في إفريقيا في مجال مسرح الطفل”، تناول البروفيسور العيد جلولي، خصوصية التجربة الإفريقية في هذا المجال، مبرزا أن مسرح الطفل يستمد خصوصيته من التراث الشفهي والحكاية الشعبية والرقص والموسيقى والطقوس الجماعية، وهو ما يمنحه بعدا تربويا وجماليا يُسهم في بناء وعي الطفل وتنمية قدراته الفكرية والإبداعية.
وأشار جلولي، إلى أن هذا المجال رغم ثرائه يواجه تحديات عديدة، أبرزها ضعف التأطير الأكاديمي، وغياب التخصّصات الدقيقة، وضعف البحث العلمي، والانفصال بين الجامعة والممارسة الميدانية، ونقص التكوين المهني.
كما تطرّق المتحدث إلى نماذج إفريقية رائدة، على غرار المسرح المدرسي في دول شمال إفريقيا، ومسرح العرائس في مصر، وتجارب مسرح المجتمعات المحلية في إفريقيا جنوب الصحراء، مقترحا إدراج مسرح الطفل ضمن البرامج الجامعية، وتشجيع البحث العلمي وإقامة شراكات بين الجامعات والفرق المسرحية، بما يضمن بناء منظومة أكاديمية متكاملة. من جهته، تناول الدكتور أحسن تليلاني في مداخلته الموسومة بـ«الجزائر في قلب إفريقيا” المكانة المحورية التي احتلتها الثورة الجزائرية في الوجدان الإفريقي، مؤكدا أن الجزائر لم تكن مجرد دولة خاضت حرب تحرير وطنية، بل تحوّلت إلى رمز للتحرّر في القارة بأسرها، وهو ما يفسر وصف الراحل نيلسون مانديلا لها بـ«قبلة الأحرار”.
وأوضح أن الثورة الجزائرية التي حظيت بدعم الشعوب الإفريقية، كانت بدورها سندا لحركات التحرر الوطني، وأسهمت في تسريع استقلال عدد من الدول الإفريقية من خلال الضغط الذي مارسته على الاستعمار الفرنسي، مشيرا إلى أن استقلال تونس سنة 1956، ثم استقلال سبع عشرة دولة إفريقية، جاء في سياق التحولات التي أحدثتها الثورة الجزائرية، وهو ما وثّقه عدد من المؤرخين، من بينهم المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا..
وأشار المتدخل، إلى أن هذا الدور التاريخي انعكس بوضوح في الإنتاج الأدبي والمسرحي الإفريقي والعربي، حيث تحوّلت الثورة الجزائرية إلى مصدر إلهام للعديد من الكتاب والمبدعين الذين خلدوا بطولاتها في أعمالهم، وتوقف مطولا عند مسرحية “مأساة جميلة” للكاتب المصري عبد الرحمن الشرقاوي، واصفا إياها بأضخم مسرحية عربية كتبت عن الثورة الجزائرية، إذ تقع في نحو 250 صفحة وتضمّ أكثر من ثلاثين شخصية مسرحية، وقدمت لأول مرة يوم الخامس من جويلية 1962 على خشبة المسرح القومي المصري، بمشاركة نخبة من كبار الفنانين، على غرار سميحة أيوب وعبد الله غيث وحمدي غيث، كما أبرز أن الشرقاوي عاش جزءا من الثورة الجزائرية عن قرب، وهو ما منح العمل بعدا توثيقيا وفنيا، فضلا عن كونه مكتوبا بلغة الشعر المسرحي الذي يجمع بين القيمة الأدبية والعمق الدرامي.
وتطرّق تليلاني إلى الخصائص المشتركة التي تميز المسرح الإفريقي، معتبرا أن المقاومة تمثل أبرز القواسم المشتركة بين تجارب القارة، بالنظر إلى ما عاشته معظم الشعوب الإفريقية من استعمار ونضال من أجل الحرية.
واستحضر في هذا السياق أسماء بارزة، على غرار الكاتب النيجيري وولي سوينكا، الحائز على جائزة نوبل في الأدب، والكاتب الجزائري كاتب ياسين، الذي شكلت أعماله، خاصة مسرحية “الجثة المطوقة”، علامة فارقة في المسرح الإفريقي، إذ عكست قضايا التحرر والهوية، وكشفت ـ بحسب العديد من النقاد ـ حقيقة ما كانت تعيشه الشعوب الإفريقية من استغلال واستعمار، وأضاف أن المسرح الإفريقي يتقاسم أيضا قضايا الزنوجة والهوية، ويتميز بطابعه التفاعلي الذي يكسّر الجدار الرابع ويعتمد على الارتجال والمشاركة المباشرة للجمهور، فضلا عن حضوره القوي في الفضاءات المفتوحة ومسرح الشارع، وهي خصوصيات فرضتها البيئة الاجتماعية والثقافية والإمكانات المتاحة، كما أشار إلى أن هذا المسرح أولى اهتماما كبيرا بقضايا المرأة والطفل ومختلف الإشكالات الاجتماعية، مستلهما في ذلك التراث الشفهي، و«الحكواتي”، و«الكريو” في غرب إفريقيا، و«السامر الشعبي” في مصر، معتبرا أن هذه العناصر تشكّل رصيدا مشتركا يمنح المسرح الإفريقي هويته الخاصة.
وختم مداخلته بالتأكيد على أن مستقبل المسرح الإفريقي يبقى واعدا، بفضل ما يزخر به من تنوّع ثقافي وثراء إبداعي، وما يحظى به اليوم من اهتمام متزايد لدى الباحثين والمنظرين في المسرح عبر العالم.
«الديوان” على الركح
بدروه، تطرّق الدكتور لخضر منصوري إلى توظيف طقس الديوان في الإخراج المسرحي، متسائلا عن إمكانية انتقال الطقس من فضائه الروحي والاجتماعي إلى خشبة المسرح دون فقدان دلالاته العميقة.
وأوضح المتدخل أن الديوان يمثل خطابا هوياتيا وذاكرة جماعية لمجتمع السود في الجزائر، وأنه عرف تحولات جعلته ينتقل من وظيفة علاجية وروحية إلى فضاء احتفالي قابل للاستثمار المسرحي، كما تناول الأسس النظرية لهذا التوظيف، مستندا إلى تصورات أنطونان آرتو وبيتر بروك وكلود ليفي ستروس، مبينا أن نجاح هذا المسار يقتضي معرفة دقيقة بالديوان والتعاون مع ممارسيه الحقيقيين، حتى لا يتحوّل إلى مجرد عنصر زخرفي داخل العرض المسرحي. وأشار لخضر منصوري، إلى أن الجسد والإيقاع والموسيقى والرموز البصرية تشكّل عناصر جوهرية في بناء المشهد المستلهم من الديوان، داعيا إلى استثمار هذا التراث ضمن رؤية نقدية تحافظ على أصالته وتمنحه أبعادا جمالية جديدة.
جدلية الفن والمعرفة..
وفي سياق متصل، قدم الباحث عبده الزراع من مصر مداخلة بعنوان “جدلية الفن والمعرفة.. المسرح المصري من العرض إلى التنظير”، تناول فيها العلاقة بين الممارسة المسرحية والإنتاج النقدي، مؤكدا أن المسرح ظَلّ عبر تاريخه مجالا تتفاعل فيه التجربة الفنية مع التنظير الأكاديمي.
وأشار، إلى أن كبار المسرحيين في العالم، من أمثال شكسبير وموليير وبريشت، جمعوا بين التأليف والإخراج والتمثيل، وهو ما منح أعمالهم عمقا فنيا ومعرفة عملية بالمسرح، كما استعرض تطوّر النقد المسرحي في مصر، ودور الصحافة في مواكبة الحركة المسرحية، قبل أن تتجه الدراسات الحديثة إلى اعتبار العرض المسرحي، بمختلف عناصره، موضوعا أساسيا للتحليل النقدي، مستشهدا بعدد من النماذج المسرحية المصرية التي أسهمت في إثراء الخطاب المسرحي العربي.
شراكات دائمة
على هامش أشغال الملتقى، أكد الدكتور إدريس قرقوى في تصريحه لـ«الشعب” أن تنظيم هذا الموعد العلمي الدولي، ضمن فعاليات مهرجان الجزائر الإفريقي للمسرح الجامعي، يعكس الرؤية التي يتبناها المهرجان في الجمع بين الممارسة المسرحية والبحث الأكاديمي، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتطوير المسرح الجامعي في إفريقيا.
وأوضح أن الملتقى يمثل فضاءً للحوار العلمي وتبادل الخبرات بين الأساتذة والباحثين والممارسين القادمين من مختلف الدول الإفريقية، بما يسمح بتقاسم التجارب واستعراض النماذج المسرحية المتنوعة التي تزخر بها القارة، وبحث السبل الكفيلة بتأطيرها أكاديميا وتوثيقها علميا.
وأضاف أن إفريقيا تمتلك رصيدا مسرحيا وثقافيا ثريا، غير أن هذا الرصيد يحتاج إلى مزيد من الدراسات والبحوث التي تكشف خصوصياته الجمالية والفكرية، وتمنحه المكانة التي يستحقها داخل الجامعات ومراكز البحث، كما شدّد على أهمية بناء شراكات دائمة بين الجامعات والمؤسسات الثقافية والمسرحية، وتشجيع البحث العلمي والتكوين المتخصّص، بما يسهم في إعداد جيل جديد من المسرحيين والباحثين القادرين على تطوير الخطاب المسرحي الإفريقي، مؤكدا أن مثل هذه المبادرات العلمية تمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ حضور المسرح الجامعي كفضاء للإبداع والمعرفة والحوار الثقافي بين شعوب القارة الإفريقية.
تعزيز التعاون المسرحي في إفريقيا
واختتمت أشغال الملتقى بالإعلان عن جملة من التوصيات التي تهدف إلى تعزيز البحث الأكاديمي وتطوير الممارسة المسرحية في القارة الإفريقية، حيث دعا المشاركون إلى جعل هذا الملتقى موعدا علميا دوريا ضمن فعاليات مهرجان الجزائر الإفريقي للمسرح الجامعي، ليكون فضاء دائما للحوار العلمي وتبادل التجارب بين الجامعات والمؤسسات الثقافية الإفريقية والدولية، كما أوصوا بتثمين المبادرات التي تجمع بين المبدعين والأكاديميين، وإرساء شراكات فاعلة بين الجامعات والهيئات الثقافية والمهرجانات المسرحية، مع تعزيز مكانة المسرح الجامعي باعتباره فضاءً للتكوين والإبداع والبحث، ودعم مختلف التظاهرات المسرحية الجامعية على المستويين الوطني والإفريقي.
ودعت التوصيات إلى إنشاء مرصد إفريقي للمسرح يتولى توثيق العروض وأرشفة النصوص وجمع الدراسات الأكاديمية حفاظا على الذاكرة المسرحية الإفريقية، إلى جانب تأسيس شبكة إفريقية للباحثين في المسرح والفنون الأدائية لتنسيق المشاريع البحثية المشتركة، وتنظيم الملتقيات والدورات العلمية بصورة دورية.
كما شدّد المشاركون، على ضرورة إدراج المسرح الإفريقي ضمن البرامج الأكاديمية في مرحلتي الليسانس والدراسات العليا، وتحديث المناهج بما ينسجم مع التحولات الفنية والجمالية، فضلا عن دعم مشاريع الترجمة من وإلى اللغات الإفريقية والعربية والعالمية، وتشجيع إنجاز الرسائل الجامعية والأطروحات المتخصصة، وتوفير منح بحثية للمشروعات المشتركة بين الجامعات الإفريقية.



